احصل على منتجك من “أمازون”، بفضل فيلق البحارة العالمي

جوناثان جرونال

AFP Photo: Justin Sullivan/ Getty Images

بعد أقل من شهر من غرق سفينة الشحن “MV Gulf Livestock”، من في هذا العالم يبكي نحيبًا على ربان السفينة السيد/ “دانتي أدوغ” و38 من أفراد طاقهما الفلبينيين الذين فقدوا أرواحهم عندما غرقت سفينتهم قبالة ساحل اليابان خلال إعصار “مايساك”؟

قطعًا، إنهم أسر هؤلاء الضحايا. رحل الربان “أدوغ” عن عمرٍ 34 عامًا، تاركًا خمسة أطفال دون سن السادسة. وأعرب موظفو شركة الخليج للملاحة القابضة، ومقرها دبي، وإدارتها التي كانت تدير السفينة، عن بالغ حزنهم بسبب هذه الخسارة البشرية الفادحة. أما بالنسبة لبقية العالم، وفي الوقت الذي ظهرت فيه تفاصيل عن عدد “2” أستراليين و”2″ نيوزيلنديين كانا على متن السفينة، فإننا على الأرجح لم نسمع شيئًا عن 39 بحارًا فلبينيًا فقدوا حياتهم عندما غرقت سفينتهم في 2 سبتمبر/أيلول.

والفلبينيون – المتمثلون في البحارة الهادئون المهرة والأقوياء – هم العمود الفقري لنظام التجارة البحرية في العالم. ولمست بنفسي عزيمتهم وحسهم الفكاهي وتمكنهم من الملاحة عندما تم نقلي إلى بر الأمان على قارب نجاة وسط أمواج المحيط الأطلسي إلى سطح سفينة شحن يقودها الفلبينيون. ولذلك، عندما قرأت عن غرق سفينة الشحن “Gulf Livestock1″، وفقدان جميع طاقمها تقريبًا في مثل هذه الظروف المروعة، تذكرت وجوه البحارة الفلبينيين الذين أنقذوا حياتي ورفقائي الثلاثة، وهم يبتسمون ويصيحون بحماس ويكافحون لسحب أربعة إنجليز أنهكهم البرد والتعب من براثن عاصفة شرسة.

وقد يكون هذا الكمبيوتر الجديد أو iPhone أو طقم العشاء أو المثقاب أو الغلاية أو التلفزيون الذي طلبته عبر الإنترنت قد وصل إلى باب منزلك في صندوق أمازون المُرسل إليك من مستودع قريب منك. ولكن الجزء الأكبر من رحلة هذا الصندوق – والتي تبدأ عادةً، هذه الأيام، من بعض المصانع في الصين – كان على متن سفينة، وفي كثير من الأحيان تحت رعاية طاقم من الفلبينيين الذين يعملون بعيدًا عن موطنهم في بيئة محفوفة بالمخاطر.

ولا يقدر مدى خطورة تلك البيئة سوى القليل منا ممن يقضون حياتهم على أرض صلبة. وعلى الرغم من أننا جميعًا نستفيد يوميًا من منتجات شركة “أمازون” العالمية، إلا أننا نادرًا ما نفكر في كيفية وصول تلك المنتجات إلينا. ويتسم عالم الشحن التجاري الذي يعتمد عليه السوق العالمي بالكامل بالغموض حيث أن السفن التي تحمى حقوق المستهلكين ومصالحهم هي، في أحسن الأحوال، أكثر بقليل من الأدخنة العالقة في الأفق، والأشكال غير الواضحة والتي تظهر أحيانًا خلال رحلة نهارية إلى الساحل.

ومع ذلك، فإن أكثر من 90 في المائة من التجارة العالمية تكون عبر المياه. وأوضح تقرير الاتجاهات البحرية العالمية الأخير الصادر عن شركة “لويدز ريجستر”، “أنه لولا السفن والبحار الصالحة للملاحة، ما كانت العولمة”.

ولا يعلم معظمنا ولا يهتم كثيرًا بما نعتبره من المسلمات وهو كيفية شحن المنتجات. وبالمثل، لا يكترث أحدٌ لأرواح وخسائر أولئك الذين يعملون للحفاظ على كفاءة هذا المحرك العظيم لنظام التجارة العالمية.

وفي العام الماضي، ابتلع البحر 41 سفينة تجارية كبيرة. وهذا بالتأكيد أفضل مما كان عليه الوضع في عام 2010 والذي غرقت فيه 130 سفينة، ولكن هذه الاتجاهات متقلبة بشدة، وتخضع لقوى الاقتصاد والطبيعة. وخلال 2010 و2019 تعرضت “951” سفينة للغرق- بمتوسط مذهل يبلغ 95 سفينة كل عام. ومن بين هؤلاء، غرقت “22228” سفينة قبالة سواحل جنوب الصين والهند الصينية وإندونيسيا والفلبين.

وبسبب الأعاصير، بالإضافة إلى حجم الملاحة البحرية المتزايد باستمرار من الشرق الأقصى، باتت هذه المنطقة من أخطر أماكن الشحن. ويكمن الخطر أيضًا في مكان آخر؛ فمنذ عام 2010، فُقدت 49 سفينة في الخليج العربي أو بالقرب منه.

وتعرضت سفينة “Gulf Livestock1″، والتي كانت تحمل ما يقرب من 6000 رأس ماشية مخصصة لصناعة الألبان الصينية، للغرق قبيل نهاية رحلتها من “نابير” في نيوزيلندا إلى ميناء “تانغشان”، وهي الرحلة التي استغرقت 17 يومًا تقريبًا. وأرسلت السفينة نداء استغاثة، وتم العثور على اثنين فقط من أفراد الطاقم على قيد الحياة.

ورصدت طائرة بحرية يابانية قائد السفينة “إدواردو سارينو” وأنقذه خفر السواحل الياباني. وتم العثور عليه وحده في الماء يرتدي سترة نجاة، بعد أن قفز من السفينة عندما بدأت في الانقلاب. وقال “إدواردو” لعمال الإنقاذ إن محرك السفينة قد تعطل في البحار الهائجة وتعذر عليها المناورة وواجهت الأمواج ثم انقلبت رأسًا على عقب في الماء.

وبعد يومين من العثور عليه، توفي شخص ثاني من أفراد الطاقم بعد وقت قصير من إنقاذه. ونجا ثالث، ويبلغ من العمر 30 عامًا، بعد العثور عليه متشبثًا بطوافة نجاة مغمور بالمياه في وقت لاحق من نفس اليوم. كما تم العثور على قارب نجاة فارغ وبه تلفيات كثيرة، إلى جانب جثث عشرات الماشية الغارقة. وعند غروب شمس يوم التاسع من سبتمبر/أيلول، أي بعد أسبوع واحد من سقوط السفينة، تم أخيرًا إلغاء البحث عن ناجين.

واستنادًا إلى حقيقة أن ثمة ثلاثة طوافات نجاة وقارب إنقاذ يجب العثور عليهم ، أطلقت العائلات والداعمون حملة رقمية على وسائل التواصل الاجتماعي للحث على مواصلة جهود البحث والإنقاذ. وتظهر إحدى الصور المفجعة فتاة في الثامنة من عمرها تحمل لافتة تقول: “أنا ابنة”. انقذوا الكابتن “دانتي أدوغ” وأفراد طاقمه “.

وفي 9 سبتمبر/أيلول، وهو اليوم الذي تم فيه إلغاء البحث عن ناجين، أصدرت شركة الخليج للملاحة القابضة بيانًا قالت فيه إن كل أفراد الشركة يشعرون بالفاجعة بسبب فداحة هذا الحادث المأساوي”، مضيفة أن “اهتمامنا ودعاؤنا في هذا الوقت يذهب إلى عائلات أولئك الذين يبدو أنهم فقدوا أحبائهم”.

وبالنسبة لبقيتنا، فأقل ما يمكننا فعله في المرة القادمة التي نتسلم فيها طردًا سافر محتوياته حول العالم هو أن نتوقف مؤقتًا ونتذكر أولئك الذين يواجهون المخاطر في البحار، ويضحون بحياتهم في بعض الأحيان، وبهذا قد نستفيد من التجارة العالمية التي تعتمد عليها أنماط حياتنا.

 

جوناثان جورنال، صحفي بريطاني، عمل في وقت سابق لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من حياته في منطقة الشرق الأوسط وعمل بها، ويعيش الآن في المملكة المتحدة.