الانتصار اليمني

جوناثان جرونال

AFP photo: John MacDougall

أُعلن النصر الشهر الماضي في الحرب التي تخوضها اليمن ضد عدو متوحش على مدى العقدين الماضيين الا ان هذا النصر مر مرور الكرام في العالم.

منذ 2011 والاعلام العالمي يركز بشكل حصري على الصراع الدائر بين الحكومة اليمنية والمتمردين الحوثيين. وواحدة من العديد من المآسي الناجمة عن هذا الصراع الكارثي، الذي لا يزال مستمرا بلا هوادة، هو أنه جاء تماما لإلقاء الضوء على اليمن وشعبها بشكل يهيمن على التراث الوطني في اعين العالم محولا دولة بأكملها الى صورة نمطية أحادية البعد. ففي اليمن انت اما جندي مدجج بالسلاح تشن هجمات انتقامية وهجمات مرتدة مميتة او أنك مدني فاقد للحيلة تعيش تحت رحمة القدر وعلى اعتاب المجاعة.

ومع ذلك، وعلى خلفية النزاع المسلح الذي استهلك اليمن وأنهك الدولة، يرجع الفضل للحكومة وجيش صغير من المتطوعين وأخصائي الرعاية الصحية في إيجاد، بطريقة أو بأخرى، الوقت وقوة الإرادة لشنحرب استنزاف ضد واحدة من أكثر الأمراض المدمرة في العالم خطورة والفوز بها.

ولا يمثل ذلك فقط تقديرا للأطراف المعنية والمنظمات الدولية التي دعمتهم في السراء والضراء وانما هو بمثابة تذكير – وربما، مصدر إلهام – للدول الأخرى المثقلة بالنزاع المدني الذي يبدو أنه منهك بشكل كبير.

إن انتصار اليمن على داءالفيلاريات اللمفاوية، والذي ربما يُعرف باسم داء الفيل، دليل على أن الحياة يمكن أن تستمر وتزدهر في أحلك الظروف.داء الفيلاريات هو واحد من 20 حالة صنفتها منظمة الصحة العالمية على أنها مرض استوائي مهمل غير انه اكثرها ازعاجا.

ويرجع السبب في الإصابة بهذا المرض الى طفيل صغير، مثل الدودة الخيطية، التي تنتقل إلى الإنسان عن طريق البعوض غالبًا في الطفولة. تعشش هذه الديدان في الجهاز اللمفاوي، وتكون شبكة واسعة من الأوعية وظيفتها الرئيسية هو نقل السوائل بعيدا عن الأنسجة، وتصفيته وإعادته إلى الجهاز الدوري حيث تنضم الى مجرى الدم.

يمكن أن تعيش كل دودة لمدة تصل إلى ثماني سنوات، غالبًا دون أن يلاحظها الشخص المصاب بها، كما هو الحال في اغلب الأشخاص، حيث تنتج بهدوء ملايين اليرقات التي تنتشر في جميع أنحاء الجسم.وينتشر المرض عن طريق انتقال الديدان إلى الآخرين عن طريق لسعات البعوض.

ولا يقتصر التأثير المدمر عند البعض على تدمير الكلى والجهاز المناعي للجسم، مما يترك المصاب كفريسة لجميع أنواع الأمراض، ولكنه يتسبب أيضًا في تضخم الأنسجة والجلد وتثخنها بشكل ينذر بالخطر.

هذا هو داء الفيل، حيث يشبه جلد الشخص جلد الفيل، ومن ثم يعاني الضحايا من تشوه أجزاء الجسم بشكل بشع، وعادة ما تكون الذراعين والساقين ولكن أيضًا الثديين والأعضاء التناسلية. ويكون هذا التأثير دائما عند البعض.

هؤلاء المرضى، وفقا لمنظمة الصحة العالمية، ” ليسوا معاقين جسميا فحسب بل انهم يعانون خسائر عقلية واجتماعية ومادية مما ينتج عنه معاناتهم من الفقر ووصمة العار. وقدر مسح عالمي اجري في عام 2000 اعداد المصابين في جميع انحاء العالم ب 120 مليون منهم 40 مليون يعانون التشوه والاعاقة.

وعلى إثر اكتشاف داء الفيلة لأول مرة في اليمن في عام 2000 تبنت الحكومة على الفور بروتوكول منظمة الصحة العالمية للقضاء على المرض- برنامج القضاء على داء الفيلاريات اللمفاوية- وشرعت في حملة غير عادية للصحة العامة. واكتسبت المبادرة على الفور مساندة المنظمات العالمية بما في ذلك فرقة العمل المعنية بالصحة العالمية- منظمة غير حكومية مستقلة مقرها الولايات المتحدة، والتي من خلال برنامج المنح الطبية ووفرت شركات الادوية كمرك وجلاكسوسميثكلاين مئات الالف من جرعات الادوية مجانا.

وفي غضون عام، أجريت عدة دراسات استقصائية شملت ال22 محافظة يمنية وتوصلت الى ان 100,000يمني عرضة للإصابة. وقد تم تحصين كل من هو عرضة للإصابة بجرعات سنوية من مزيج من الادوية وتم رش المنازل بمبيدات اليرقات وتم تحديد أماكن تكاثر البعوض بطريقة منهجية وتحييدها بالمواد الكيميائية.

لكن ليس من الواضح اعداد اليمنيين الذين يعانون التبعات الجسمانية للمرض.وبالنسبة لسيئي الحظ الذين وقعوا ضحية للمراحل المتقدمة من داء الفيلاريات، كانت هناك مساعدات طبية مكثفة يمكن الحصول عليها بسهولة، ولكن لا يمكن فعل الكثير لمن هم مصنفين على انهم مرضى بداء الفيل اللهم إلا محاولات لتخفيف المعاناة، فالحياة أصبحت عبء لهم .

وبعيدا عن ذلك، فلا يجوز ان يتم اهمالهم. حتى في اليمن “حيث البيئة غير مواتية” صرح دكتور اطلاف موساني ممثل متظمة الصحة العالمية ان الفرق الصحية المحلية “ستواصل تحسين أساليب إدارة المرض، مع التركيز على علاج المرضى الذين يعانون من الأعراض السريرية”.

ولضمان ان داءالفيلاريات أصبح في طي النسيانسيتم الحفاظ على النظام الوطني لمراقبة الأمراض لسنوات قادمة.

“وفي الشهر الماضي، أعلنت منظمة الصحة العالمية أن اليمن قد تغلبت على داء الفيلاريات- وهو إنجاز لم يتحقق في إقليم شرق المتوسط لمنظمة الصحة العالمية حتى الآن الا في مصر – وأشادت منظمة الصحة العالمية “بسنوات من العمل الشاق التي قضاها مئات الآلاف من العاملين في المجال الصحي والمتطوعين الذين تحدوا الظروف الميدانية الصعبة للغاية لتقديم علاج لهذا المرض للشعب اليمني”

وهذه “الظروف الميدانية الصعبة” لا تزال قائمة. فبعد أيام قليلة فقط من إعلان انتصار اليمن على الفيلاريا، شنالتحالف الموالي للحكومة غارة جوية على ما يزعم المتمردون الحوثيون أنه سجن في غرب اليمن قُتل فيه ما لا يقل عن 60 قتيلاً وعشرات الجرحى. وصرح التحالف الذي تقوده السعودية إنه موقع تخزين للطائرات المسيرة ولم يكن مدرجًا في قائمة “المواقع غير المستهدفة”

ويعطي إنجاز اليمنيين الذين اختاروا تقديم العونلمواطنيهم الذين يعانون من وطأة المرض، ومضة نادرة من الضوء في الظلمة المستمرة لهذا البلد المحاصر. ولكن على نطاق أوسع، هو أيضًا تكريم للجانب المضئ من الطبيعة البشرية، وهو شهادة على تصميم الأفراد على فعل الشيء الصحيح نيابة عن إخوانهم في الإنسانية في مواجهة الصعاب الكبيرة مما يعد بمثابة مصدر إلهام لنا جميعا.

جوناثان جورنال صحفي بريطاني عمل في وقت سابق في التايمز، عاش وعمل في الشرق الأوسط ويقيم الان في المملكة المتحدة.