مسار الأسد الابتزازي في ظل أزمة الاقتصاد السوري و العملة السورية

حايد حايد

AFP photo: Louai Beshara

مع اهتمام العالم بالشرق الأوسط، تراجع اهتمام العالم بسوريا و باتت أنظار العالم تتجه نحو ليبيا و لبنان، ولكنها اتجهت فجأة صوب العراق وإسرائيل وفلسطين و بلدان أخرى. ولا ندري أيهم أولى بالاهتمام حيث تشهد منطقة الشرق الأوسط بلدان كثيرة في حالة مزرية،. وبالرغم من هدوء وتيرة الحرب في سوريا، إلا ان معاناة السوريين لن تهدأ و أصبحت الظروف أكثر تدهوراً. وفي ظل الظروف الراهنة، ، لجأت سوريا إلى استخدام طريقة أخرى “لإدارة” الظروف المعيشية اليومية للسوريين، ألا وهي: الابتزاز!

ربما يكون الداعمون الرئيسيون لبشار الأسد، وهما، إيران وروسيا، قد ساعدوا بشكل كبير في مساعدة النظام السوري للفوز في الحرب. ومع ذلك، لم يتمكن أي منهما من مساعدة الأسد بالشكل المطلوب لدعم الاقتصاد السوري، حيث انخفض الإنتاج الاقتصادي بشكل حاد – وتُشير التقديرات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي في عام 2018 حقق “35%” فقط من مستوياته التي كان عليها قبل الحرب. وتم تخصيص جزء كبير من الموارد المتبقية للأنشطة المتعلقة بالحرب. لقد أثر الانخفاض المصاحب في القوة الإنتاجية بشكل كبير على العملة السورية حيث انخفضت قيمة الليرة السورية بمقدار النصف في عام 2016، وتبلغ قيمتها الآن حوالى خُمس قيمتها منذ بداية الحرب.

وفي الوقت الحالي، ينصب تركيز النظام على تحقيق استقرار الليرة السورية، من أجل السيطرة على التضخم الجامح الذي لم يؤثر فقط علي رفع أسعار السلع الأساسية، بل كل شيء. و من أجل استقرار العملة، أجبر الأسد رجال الأعمال الأثرياء الموالين للحكومة، و من بينهم ابن عمه “رامي مخلوف”، على إيداع العملات الأجنبية لدى البنك المركزي.

وكان رجال الأعمال في سوريا، وخاصة أولئك الذين استمروا في العمل خلال الحرب، قد جمعوا ثرواتهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال علاقاتهم مع النظام. مما جعل الأسد يشعر بأنه يحق له أن يطلب منهم رد الجميل. تم استدعاء عدد كبير من الشخصيات البارزة في إدارة الأعمال – مثل سامر فوز، و محمد حمشو، و وسيم القطان، و براء الكاترجي- بغرض زيادة نسبة إيداع اموالهم في البنك المركزي . وعُقد الاجتماع في سبتمبر في فندق الشيراتون في دمشق في سرية تامة.

وفقًا لمصادر مختلفة، تعرض الحاضرون لضغوطٍ من أجل إيداع أموال بالدولار الأمريكي لدى البنك المركزي بهدف جعل سعر صرف الدولار مقابل الليرة أقل من سعر السوق السائد. ونقلاً عن أحد أعضاء غرفة تجارة دمشق، حسن أزقل، في تقرير نشرته قناة “إعمار سوريا”، بحلول 15 أكتوبر، بلغ إجمالي قيمة الودائع في الحساب الخاص لدى البنك المركزي ما يقرب من مليار دولار أمريكي.

ومع ذلك، و علي الرغم من أن قيمة الدولار الأمريكي الواحد تساوي “615” ليرة، أخذ سعر الصرف في الانخفاض بوتيرة سريعة وحتمية. حيث بلغ سعر الدولار الأمريكي حوالى “1,050” ليرة سورية.

وحتى الآن، يمارس النظام مخططًا مختلفا لضمان الحصول على المزيد من العملات الأجنبية. وشن النظام حملة قمعية على رجال الأعمال الفاسدين المزعومين، لإجبارهم على تسليم بعض ثروتهم.

وأبرز هؤلاء الرجال المستهدفين هو “رامي مخلوف”، والذي يخضع – حالياً- للتحقيق. واستولى النظام السوري على العديد من أصوله أو جمدها، ومنها سلسلة من الفنادق والمتاجر المعفاة من الضرائب والرسوم المحلية، وشركات التمويل، وشركة المحمول الرئيسية في البلاد “سيريتل”.

واستهدف النظام أيضًا المسؤولين الحكوميين بزعم تورطهم في أنشطة مالية غير مشروعة. ومن بين هؤلاء المسؤولون “هزوان الوز”، والذي شغل منصب وزير التعليم بين عامي 2012 و2018، و”فادي الدباس”، الرئيس السابق لاتحاد كرة القدم.

ووفقًا لمصدر مقرب من النظام، تم استهداف العديد من رجال الأعمال لأنهم لم يقدموا في بادئ الأمر ودائع بالدولار الأمريكي لدى البنك المركزي، أو لأن مساهمتهم لم تكن مُرضية للأسد.

وهكذا، ورد أن تعليمات شفهية وردت إلى بعض رجال الأعمال، مثل “وسيم قطان”، لكي يقدموا ودائعهم و مواجهة العواقب. وبحسب الظاهر، نفذ “وسيم قطان” تلك التعليمات، وتم إنهاء التدقيق في شؤونه المالية.

وكانت تلك الحملة الانتقائية المتعلقة بالعملات المالية والتي تهدف إلى مكافحة الفساد المزعوم قد جذبت الانتباه حتى بين وسائل الإعلام المدعومة من النظام. ونتيجة لذلك، أثارت قناة الإخبارية السورية تلك القضية في مقابلة تليفزيونية مع بشار الأسد نفسه. وادعى الأسد أن حملة المساءلة بدأت قبل أكثر من ثلاث سنوات، لكن هذا الجهد لم يحظ باهتمام الرأي العام إلى أن تم ملاحقة كبار الشخصيات في مجال الأعمال والحكومة. وأقر الأسد أيضًا بأنه طلب من رجال الأعمال الذين حضروا اجتماع فندق “شيراتون” في سبتمبر مساعدة مؤسسات الدولة ، ولا سيما البنك المركزي، وقد فعلوا ذلك.

وفي إجابة الأسد على الأسئلة التي وردت في المقابلة الشخصية تأكيد على أن النظام غير قادر على استخدام الوسائل التقليدية للتغلب على الأزمة المالية والاقتصادية في البلاد. ولذلك، يضطر المقربون وأمراء الحرب الذين استفادوا من اقتصاد الحرب في سوريا إلى المساهمة في استقرار العملة. ومهما كانت النتائج، فستكون قصيرة الأجل في بلد خاضع للعقوبات، وقادر على إقامة علاقات تجارية في الغالب مع دول مثل إيران وروسيا. وهذا لن يأتي بخير.

وفي الوقت نفسه، سيجد معظم السوريين صعوبة دائمة في توفير تكلفة فنجان قهوة في فندق شيراتون بالعاصمة.