مع ارتفاع أسعار النفط، هل آن الأوان للدول المنتجة للنفط كي تلتزم مجددًا بالطاقة المستدامة؟

جوناثان جرونال

AFP Photo: Ethan Miller

يبدو أن دول الخليج صارت عُرضةً للمشكلة الأكبر في عصرنا هذا؛ أي التهديد الوجودي المتمثل في الاستخدام المتواصل لأنواع الوقود الحفري التي بنَت عليها اقتصاداتها النابضة بالحياة.

لنتخذ من المملكة العربية السعودية مثالًا، وهي موطن خُمس الاحتياطي العالمي من النفط. في 2017، أطلقت المملكة مجموعةً من المبادرات الطموحة، بدءًا من تطوير النقل العام ووصولًا إلى الانتقال من الاعتماد على الوقود الحفري إلى الطاقة المتجددة. كما ان جارتها الإمارات العربية المتحدة، والتي تستضيف على أرضها منذ 2009 الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إرينا) الجامعة لعدة حكومات، كانت من أوائل الدول المتبينة للوعي البيئي، وأنشأت شركة أبو ظبي لطاقة المستقبلمصدرفي 2006 الهادفة إلى دعمتنويع كلٍ من مصادر الاقتصاد والطاقة لمصلحة الأجيال القادمة“.

وفي جميع أنحاء الخليج، يوجد اتجاه ثابت من التصريحات والعناوين الصحفية المطمئنة بخصوص المبادرات الطموحة، من السيارات الكهربائية ومزارع الطاقة الشمسية إلى خطط ترشيد استهلاك الورق والبلاستيك والمياه، من جانب الدول الحريصة على وضع أسس اعتمادها كأعضاء مسؤولين بيئيًا في المجتمع العالمي.

لماذا إذن لا تزال منطقة الخليج تحتفظ بالسجل الأضعف في مجال توليد الطاقة من المصادر المتجددة؟ كشفت آخر مراجعة إحصائية للطاقة العالمية أجرتها شركةبريتيش بتروليوم” – وهي مراجعة لتتبُّع الاتجاهات العالمية للطاقة منذ 1965 – عن مدى سوء ذلك السجل. ظهرت منطقة الشرق الأوسط في أدنى المراتب بالجدول الذي يعرض نسب الطاقة التي تم توليدها من المصادر المتجددة خلال العام 2018. وجاءت منطقة آسيا والمحيط الهادئ في المقدمة، بنسبة بلغت 40.2%، تليها أوروبا (30.7 %)، وأمريكا الشمالية (21.2 %)، وأمريكا الجنوبية والوسطى (6.3 %)، وإفريقيا (1.3 %).

وفي عام 2018، نجحت دول الشرق الأوسط في توليد 0.3% من طاقتها من مصادر متجددة. ويقتضي الإنصاف الإشارة إلى أن ذلك يعود جزئيًا إلى التباين في مستوي الدخل، والوضع التنموي، وحتى اعتبارات السلام في المنطقة. فمصر، كونها الدولة الأكثر تعدادًا للسكان بالمنطقة، لا يتعدى نصيب الفدر فيها من الناتج المحلي الإجمالي 2500 دولار أمريكي فقط؛ فلديها العديد من المشكلات الاقتصادية التي تنتظر التفاتًا عاجلًا إليها. فسوريا واليمن مناطق حرب. وما زال العراق يحاول التعافي من تداعيات حرب 2003. أما لبنان فهو متورط، بشكلٍ دائم على ما يبدو، في مشكلات محلية تبدو عصيّة على الحل. وعلى هذه الحال تسير المنطقة بأسرها.

ومع ذلك، يبقى السؤال هولماذا لا تتمكن الدول الأكثر ازدهارًا من البدء بمعالجة هذا الركود“. وقد بلغت احتياجات الإمارات العربية المتحدة منالطاقة الأولية” – أي جميع أنواع الوقود المتداولة تجاريًا، بما يشمل تلك الأنواع المُستخدمة في توليد الكهرباءقدرًا يعادل 112 مليون طن من النفط. وتصل احتياجات الغاز الطبيعي الى 65 مليون طن ، ويحتل النفط 45 مليون طن منها؛ ولا تحتل الطاقة المتجددة سوى 0.2 مليون طن. ولم يكن الحال في السعودية إلا أسوأ.

لماذا إذن لا تتمكن الدول الأغنى من تلبية طموحاتها التي تصرِّح بها على نطاق واسع، أو حتى الاقتراب من تلبيتها؟ إحدى الإجابات هي الوقت. يتطلب الأمر كثيرًا من التخطيط لبناء قدرة مستدامة؛ رغم أن المسار شاق من ناحية الحركة. في أوروبا بأكملها في 1998، تم توليد الطاقة الشمسية بكمّ 105 ميجاوات فقطأي حوالي سدس إنتاج محطة واحدة لتوليد الطاقة الكهربية من الفحم. واليوم، تولِّد الطاقة الشمسية الأوروبية أكثر من 128،000 ميجاوات، بزيادة قدرها أكثر من 121،000% خلال 20 سنة. كذلك ثمّة ممانعة مفهومة من جانب منتجي الطاقة في الخليج لأن يغضوا الطرف عن الإمدادات الهائلة من النفط والغاز الرخيص الذي لا يزال من الواجب استغلاله. وهناكالمشكلة الايجابيةالمتمثلة في التوسع الاقتصادي السريع، كما حدث في أبو ظبي ودبي، والتي تؤدي إلى زيادة سريعة في الطلب على الطاقة. رغم ذلك، قد يُقال إن السعر الحالي المرتفع نسبيًا للوقود الحفري، إلى جانب التكلفة المنخفضة للتمويل المُستمدّ من أسعار الفائدة العالمية المنخفضة، يوفر فرصًا ينبغي ألا نغفل عنها. علينا أن ننحي جانبًا الفرصة المُقدَّمة من أسعار الوقود الحفري اليوم، وأن نلتزم بالاستفادة من الفرصة المستقبلية المُجسّدة في اقتراض أموال زهيدة لتمويل مشاريع طويلة الأجل.

وبحلول العام 2018، تم توليد 3.181 ميغاوات من الطاقة المُستدامة في أنحاء منطقة الشرق الأوسط بأكملها، حيث احتلت الصدارة كلٍ من إسرائيل (1،076 ميجاوات) والأردن (740) والإمارات (594). وفي كلٍ من هذه الحالات، يمثل هذا جزءًا صغيرًا من الطلب على الكهرباء؛ وعلى مدار العِقد الماضي، أدى اقتصاد الإمارات المزدهر إلى ارتفاع استهلاك الكهرباء بنسبة 60%.

ويعتبر أحد أكبر مشاريع الطاقة المتجددة في العالم هو محطة الطاقة الشمسية التي تبلغ مساحتها 2.5 كيلومتر مربع، بالقرب من مدينة زايد في أبو ظبي، والتي بدأت العمل في 2013، وهي قادرة على توليد 100 ميجاوات من الطاقة. وللأسف لم يتم تحديد موعد الانتهاء من المرحلتين الثانية والثالثة من مشروعشمس“.

ويبدو أن النوايا والتطلعات الحميدة لم يتم حسمها في السعودية. ففي 2018، أعلنت المملكة عن خطط بقيمة 200 مليار دولار لبناء أكبر نظام شمسي في العالم. وكان ذلك، وفقًا لتعبير ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أثناء إطلاقه المشروع في العاصمة الأمريكية نيويورك،خطوةً كبيرة في تاريخ البشرية“. ولكن في الوقت الحالي، يبدو التقدم متعثرًا.

وكما يشيربوب دادلي، الرئيس التنفيذي لشركةبريتيش بتروليوم، في يونيو الماضي ضمن مقدمة أحدث نشرة حول المراجعة العالمية للطاقة، ففي 2018 “تنامى الطلب العالمي على الطاقة وانبعاثات الكربون من استخدام الطاقة بأسرع معدلٍ لهم منذ 2010/2011، مبتعدة أكثر فأكثر عن الانتقال المتسارع [إلى المصادر المتجددة] المُتصوَّرة من الأهداف المناخية من مؤتمر باريس. ويضيفدادلي“: “ربما تكون إزالة الكربون عن قطاع الطاقة أهم التحدياتعلى مدار الأعوام العشرين القادمة [كما أن] الطاقة المتجددة ينبغي أن تلعب دورًا حيويًا“.

إذا أراد العالم أن يواجه هذا التحدي فإن ما يحتاجه الآن هو القيادة الملهمة، وتتمتع قلة من الدول بوضعٍ أفضل من الناحيتين الجغرافية والمالية للمضي قدما في هذا الامروذلك بالمقارنة بدول الخليج الغنية بالنفط. ويبدو أن البنية التحتية والتفكير المستقبلي والطموح موجودون بالفعل. ويبدو أن المشهد المالي ملائم للاحتياجات التي تتطلبها تلك العناصر. فالمطلوب الآن هو التصميم على اتخاذالخطوة الكبرى الأهم في تاريخ البشرية، والالتزام المخلص بثورة في إنتاج الطاقة هي بالتأكيد الأمل الوحيد للكوكب في المستقبل.

جوناثان جرنال صحفي بريطاني عمل سابقا في التايمز، عاش وعمل بالشرق الأوسط ومستقر حاليا بالمملكة المتحدة.