مع عجز الميزانية المرتقب، ماذا ستفعل دول الخليج المنتجة للنفط؟

AFP photo: Fayez Nureldine

من الواضح أن نفقات دول الخليج زادت في خضم أزمة انتشار فيروس كورونا (كوفيد-19)، لكن الدخل القومي لتلك الدول أيضًا بات في تناقُص حاد بسبب انخفاض أسعار النفط، لذا فإن دول الخليج بات عليها أن تقرر كيفية تغطية عجز الميزانية في ظل أسعار النفط التي صارت تتراوح بين 20 – 35 دولارًا للبرميل، ووصل سعر الغاز إلى 3 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. والسؤال المُلِحّ هو: هل تستمر تلك الأزمة على المدى الطويل أم تقتصر على المدى القصير؟. وهناك مسألة أخرى؛ على الرغم من أن الكويت وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تملك احتياطات نقدية هائلة إلا أن تلك الأموال يتم استثمارها بأساليب متنوعة للغاية، وهاتين المسألتين سيكون لهما تأثير على كيفية تحديد كل دولة لاحتياجاتها من الموارد المالية، والعواقب التي ستظهر حال استمرت حالة الركود العالمي على المدى الطويل.

وحتى الآن فإن وضع المملكة العربية السعودية يُعتبر متوازن إلى حد ما، فهي تملك احتياطيًا من النقد الأجنبي يتجاوز 500 مليار دولار، غالبيتها تُستثمر في أذونات خزانة وسندات قصيرة الأجل أمريكية وأوروبية ويابانية، لذا فإن هذا الاحتياطي لم يتأثر كثيرًا بالصدمة التي أصابت أسواق الأسهم العالمية، ومن ثم يمكن من خلاله سد العجز السنوي المتوقع أن يتراوح بين 120 – 150 مليار دولار دون صعوبة لعدة سنوات، والواقع أن هذا الاحتياطي من الممكن أن يكون سببًا في استمرار حرب أسعار النفط التي ترمي إلى إجبار روسيا على خفض الإنتاج فضلًا عن القضاء على منتجي الوقود الصخري في الولايات المتحدة الأمريكية، وإذا ما نجحت تلك الخطة فإنها ستجعل المملكة قادرة على الحفاظ على استقرار أسعار النفط لمصلحتها.

ثم هناك أبو ظبي التي تحتل مركزًا متقدمًا في قائمة دول الخليج، وعلى الرغم من أنها تمتلك احتياطيات أكثر بكثير تبلُغ تريليون دولار تقريبًا – أكثر من أية دولة خليجية أخرى؛ إلا أن أغلب هذا الاحتياطي يُستثمر في الأسهم الدولية والعقارات وكل منهما تلقّى ضربة موجعة الشهر الماضي، علاوة على ذلك فإن تلك الخسائر المحتملة لا يمكن تعويضها بسهولة باستخدام عائدات النفط بالنظر إلى حال الأسعار في الوقت الراهن.

وعلى أي حال فقد قالت أبو ظبي إن المشروعات التي أُعلِن عنها مسبقًا ستستمر، وهو أمر صحيح والدليل أن الميزانية التي تم تخصيصها لم تتأثر، لذا من المرجح أن تكون أبو ظبي قد اتخذت قرارًا بالتضحية بجزء من السندات، مع تأجيل القرارات على المدى الطويل إلى وقت تتعافى فيه أسعار الأصول والسندات.

أما الكويت وقطر فإنهما يعانيان موقفًا صعبًا، فهما يحتاجان لتحويل تلك الأصول إلى أمول سائلة، وسيكون من الصعب على كل منهما بيع العقارات والأسهم دون تحمُل خسائر ضخمة للغاية.

علاوة على ذلك، هناك علامات استفهام حول المشروعات “الأسطورية” القطرية، كما أن جهودها عالية التكلفة من أجل تنظيم كأس العالم 2022 ستكون مهمة شاقة للغاية في الظروف الحالية – خاصة مع التهديد المرتقب المتمثل في قلة حضور السياح في حال استمرت حالة الركود الناجمة عن تفشي فيروس كورونا.

ومن جهة أخرى فإن الدوحة قامت بزيادة إنتاج الغاز الطبيعي من 77 إلى 126 مليون طن سنويًا، وتلك مهمة شاقة ولن تأمل قطر من خلالها في جني الأرباح خاصة في ظل سعر الغاز الطبيعي حاليًا الذي وصل إلى 3 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو سعر تصدير الغاز لكل من الصين واليابان وكوريا الجنوبية، وقد بات على قطر أن تختار إما الاستمرار في تلك المشروعات عبر بيع كمية هائلة من تلك الأرصدة في سوق يتسم بالتعقيد الشديد أو تقليل تلك الخسائر بصورة سريعة.

ولو استمرت أسعار الطاقة الحالية على المدى الطويل فإن المملكة العربية السعودية – أكبر اقتصاد في المنطقة حاليًا – سيكون عليها إعادة التفكير في خطط التنمية الضخمة، والمملكة تهدف إلى تنويع مواردها وعدم التركيز على النفط الخام مقابل التركيز على السياحة والتكنولوجيا والصناعات العسكرية والتعدين، والفكرة تقوم على تحقيق برنامج المملكة للتنمية 2030 قبل 10 سنوات على الأقل من بداية انحسار حقبة النفط التي تلي وصول إنتاج النفط إلى ذروته، ومن أجل تحقيق هذا الهدف فإن المملكة تخطط لإنفاق 500 مليار دولار على المدينة التكنولوجية في المستقبل، بالإضافة إلى تخصيص 100 مليار دولار لبناء منشآت سياحية فخمة، لكن إذا ما تحول الركود إلى كساد اقتصادي سيكون هناك القليل من السياح الذين يبحثون عن المنشآت الفخمة، وكذا فإن مدينة المستقبل التكنولوجية المخطط لها لن تنجح في جذب مقرضي الأموال على مستوى العالم – خاصة في بيئة سوف تتسم بالتحفظ تجاه مسألة تقديم القروض.

ومع هذا، وبعد كل الأقوال والأفعال فإن المملكة ما زالت مجبرة على التنويع، وفي تلك الظروف فقد بات على المملكة مراجعة الخطط طويلة الأمد التي وضعها وزيري البترول السابقين علي النعيمي وخالد الفالح. والمملكة العربية السعودية ستكون قادرة على التنمية لو استفادت من ميزة الطبيعة، وأن تكون مستخرجًا للكربون بأقل تكلفة، وإذا سار الأمر على هذا النحو يمكن للمملكة تفعيل الاستراتيجية السابقة بتنمية عدد من الصناعات القيّمة مثل المواد الكيميائية المتطورة والأسمدة وصهر المعادن، من أجل تقليل الاعتماد ومن ثم الاستغناء بشكل نهائي عن النفط الخام.

وفي الإمارات العربية المتحدة، ربما تعود دبي إلى الظهور مجددًا، والواقع أنها نجحت بصورة تقليدية حين كان العالم من حولها يعاني المشكلات، وهي عبارة عن واحة للهدوء في إقليم مضطرب فضلًا عن ثروتها، أما أبو ظبي فربما تلجأ إلى خفض تمويل حقول الغاز الصخري الكبرى الجديدة، وربما تبدأ بين الإماراتين مرحلة من التعاون حيث أن كل منهما تنتهج الآن سياسة الصناعات الموازية سواء في نشاط خطوط الطيران وحتى تمويل المشروعات.

والكويت أيضًا سيكون عليها إعادة النظر في الخطة الضخمة لتنمية جزيرة بوبيان وكذا تنمية قطاع النفط من أجل زيادة الإنتاج، وربما ينتهي بها الأمر إلى تقليل الاعتماد على الغاز العراقي والإيراني والقطري.

والواقع أن انهيار الطلب على النفط الذي تسبّب فيه فيروس كورونا بالإضافة إلى تكدس الفائض النفطي الناتج عن حرب الأسعار بين المملكة العربية السعودية وروسيا؛ أدّى إلى وضع اقتصادات دول الخليج في موقف صعب للغاية، والدول التي تملك احتياطيات ضخمة من الثروة السيادية سيكون لها الخيار بين سد العجز المتوقع في الميزانية، سواء عبر بيع الاستثمارات بأسعار منخفضة أو إلغاء بعض المشروعات، وأيًا كان الاختيار فسيكون له تأثير على دول الخليج، أما طبيعة هذا التأثير فما زالت قيد التشكيل لكن المؤكد هو أن النتيجة لن تكون جيدة.

جان فرانسوا سيزنيك هو أستاذ الدراسات الدولية المتطورة في كلية جونز هوبكنز بواشنطن، وهو أيضًا أحد كبار الزملاء بالمجلس الأطلسي وأستاذ بمعهد الشرق الأوسط.