تركيا تُحكم سيطرتها على وسائل التواصل الاجتماعي مع دنو موعد الانتخابات

الكسندرا دي كرامر

أعلنت تركيا الحرب على المعلومات المضللة في الشهر الماضي من خلال تمرير قانون من 40 بندا مصمما لتنظيم الطريقة التي يتم من خلالها مشاركة المعلومات عبر الإنترنت، ولكن من خلال سن التشريعات المنظمة للخطاب الإلكتروني في البلاد، وجعلت السلطات التركية من الصعب على الجمهور الوصول إلى الأخبار وفرضت عقوبات جديدة لمجرد إبداء الرأي.

ولطالما تعرضت حرية التعبير ووسائل الإعلام في تركيا للاعتداء، وذلك منذ وصول حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب أردوغان إلى السلطة في عام 2002، حيث تم تعزيز ملكية وسائل الإعلام للكيانات الموالية للحكومة، مما أدى إلى القضاء على استقلال التحرير الصحفي وأدى إلى سجن مئات الصحفيين.

وتم مقاضاة 241 صحفيا وتعرض 115 صحفيا للاعتداء البدني في عام 2021، وذلك وفقا لجمعية الصحفيين الأتراك، ويتطلب نشر الأخبار اليوم إذنا من الحكومة، واحتلت تركيا المرتبة 149 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2022 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، وهي مرتبة أسوأ من الصومال وليبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

وقد كبرت الهوة بين الحرية والصحافة في ظل رئاسة أردوغان الممتدة، مما قوض ثقة الجمهور في وسائل الإعلام وزاد من عمق الشرخ بين قطبي المجتمع. ووجد تقرير حديث صادر عن (إكس سي أي جي أتش تي أس) وهي مؤسسة استشارية مقرها المملكة المتحدة، أن 82 في المئة من الأتراك لا يثقون في وسائل الإعلام، وأعلى معدل للشك والريبة هو بين أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاما، واعتبر 70 في المائة من الأتراك وسائل الإعلام كاذبة في عام 2018.

ولجأ الأتراك إلى وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى الأخبار بعد أن تم تكميم أفواه الصحافة التقليدية، وأخذت منصة “اليوتيوب” مركز الريادة في ذلك المجال، حيث ترك صحفيون بارزون التلفاز لإطلاق قنواتهم الخاصة على اليوتيوب، مثل المذيعة السابقة نيفسين مينغو، وقد حظوا بنجاح كبير، حيث تقترب قناة مينغو من نصف مليون مشترك، وذلك دليل على أن وسائل الإعلام المستقلة في تركيا لم تمت بعد، ولكنها انتقلت إلى طورٍ آخر.

ويعد ذلك مشكلة عويصة لحزب العدالة والتنمية، حيث إن الطبيعة المرنة والأكثر استقلالية للإنترنت هي السبب في أن أردوغان كان يبحث بكل جد عن طرق لتنظيمه، إن قانون المعلومات المضللة والذي يطلق عليه الجمهور اسم “قانون مقص الرقيب” هو أحد المحاولات الواضحة للقيام بذلك.

على سبيل المثال، تفرض المادة رقم 34 من القانون رقم 7418 قيودا جديدة على منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر وجوجل، ففي السابق كان بإمكان تلك المنصات إلغاء خيار الاشتراك في مشاركة عنوان بروتوكول الإنترنت (أي بي) لمستخدميها، والآن تتمتع الحكومة التركية بالقدرة على إغلاق تلك المنصات إذا حجبت مثل تلك المعلومات. وعلاوة على ذلك، إذا لم تنصاع تلك المنصات لطلبات الحكومة فسيتم منعها من تلقي إيرادات الإعلانات وسيتم تغريم الشركات التركية التي تعلن على صفحاتها.

ثم هناك المادة رقم 29 والتي أثارت الذعر لدى الكثير، والتي تنص على أنه من يقوم بنشر “معلومات مضللة” يمكن أن يسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات.

ومن المؤسف أن أيا من ذلك ليس بالأمر الجديد في تركيا، حيث دأبت الحكومة التركية على سجن الصحفيين والمواطنين على حد سواء لارتكابهم أعمال أقل حدة من ذلك، ففي عام 2014، حوكم المغني والشخصية العامة أتيلا تاس وسجن بسبب تغريدة قال فيها “لو كان إديسون قد رأى ما نراه اليوم، لما أقدم على اخترع المصباح الكهربائي” وكان تاس يسخر من شعار المصباح الكهربائي لحزب العدالة والتنمية، ولكن تغريدته استخدمت كدليل لربطه بمنظمة فتح الله غولن، التي تعتبرها تركيا منظمة إرهابية.

وفي الآونة الأخيرة، حكم على شخصية كبيرة على قنوات الاجتماعي وهي “بوكا” بالسجن لمدة خمسة أشهر في العام الماضي بسبب تغريدة اعتبرت “بغيضة” تجاه الرجال.

حتى تم تقييد الأخبار المشروعة وتجريمها، على سبيل المثال، في غضون ساعات من التفجير الإرهابي الدامي الذي وقع يوم الأحد في شارع الاستقلال في إسطنبول، أصدرت هيئة تنظيم الإذاعة والتلفزيون التركية حظرا على نشر تلك الأخبار، وأعقبته فرض بعض القيود على وسائل التواصل الاجتماعي. إن الرقابة الحكومية الفورية للأخبار هي محاولة للسيطرة على السرد الصحفي، ولكن كان مصير كل تلك الجهود هو الفشل. إن الأمر بتعتيم وسائل الإعلام خلال أوقات الاضطرابات لا يؤدي إلا إلى انزعاج الجمهور والمزيد من الشك في الحكومة.

وقد استلزم التقويض المستمر للمشهد الإعلامي على مدى العقد الماضي ظهور هيئات رقابية مستقلة، مثل دوغرولوك باي وتييت، وهي منظمات حاربت الأخبار المزيفة قبل فترة طويلة من تبني الحكومة لذلك الدور.

وحدد “تييت” في دراسة تم تعميمها في الشهر الماضي خمس صحف نشرت كميات كبيرة من المعلومات الزائفة منذ أكتوبر 2016. وكانت صحيفة “يني أكيت” وهي صحيفة يومية إسلامية محافظة ينظر إليها على أنها لسان حال الحكومة، هي الأكثر إنتاجا لتلك المعلومات الزائفة، حيث نشرت 117 مادة إخبارية تحتوي على معلومات مضللة. وجاءت صحيفة “صباح” وهي صحيفة موالية لحزب العدالة والتنمية في المرتبة الثانية ب 73 قصة مزيفة. ومع ذلك، تستمر وسائل الإعلام الموالية للحكومة في نشر الأكاذيب في حين يلاحق «حزب العدالة والتنمية» المدونين المستقلين والصحفيين عبر الإنترنت.

ومن الطبيعي أن يرغب «حزب العدالة والتنمية» في إحكام قبضته على السرد الصحفي السياسي، خاصة مع اقتراب الانتخابات العامة والتي من المزمع اجرائها في شهر يونيو 2023، ومن الواضح أن هذا التشريع يهدف إلى إبقاء «حزب العدالة والتنمية» على كرسي السلطة.

ومن المثير للحيرة هو فشل المعارضة السياسية التركية في منع تلك المحاولة، فمن بين 134 عضوا من حزب الشعب الجمهوري، وهو حزب المعارضة الرئيسي في البرلمان، حضر 40 عضوا فقط للتصويت على قانون المعلومات المضللة، في حين حضر 15 فقط من أصل 56 عضوا من حزب الشعوب الديمقراطي. إذا كانت حرية التعبير مستهدفة من قبل «حزب العدالة والتنمية»، فإن المعارضة في البلاد تتحمل جزء من المسؤولية.

بعد عقود من سجن الصحفيين، وإغلاق وكالات الأنباء، وتجريم حرية التعبير، يبدو أن قادة حزب العدالة والتنمية يعتقدون أنهم من يُسيطر على الأخبار، وإذا استمرت المعارضة التركية في الإذعان الذي لا معنى له، فسيصبح ذلك الإذعان عنوان تخطه الأيام.

 

 ألكسندرا دي كرامر صحفية مقيمة في اسطنبول. كتبت عن الربيع العربي من بيروت كمراسلة للشرق الأوسط لصحيفة ميليت، وتتراوح أعمالها من القضايا الحالية إلى الثقافة، وقد ظهرت في مونوكل ومجلة كوريير وميزون فرانسيز واسطنبول آرت نيوز.