هل سيمهد اتفاق التجارة الإماراتي الإسرائيلي الطريق لدول عربية أخرى؟

كريستيان لامير

Image courtesy of Anuj Taylor Strap Studios - GPO / Handout via Reuters

حدث تغيير مهم آخر في العلاقات العربية الإسرائيلية في الشهر الماضي عندما وقعت الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل اتفاقية للتجارة حرة، والتي هدفت إلى خفض الرسوم الجمركية وتخفيف معدلات الضرائب وتسهيل الأعمال التجارية، وذلك الاتفاق هو الأول من نوعه بين إسرائيل ودولة خليجية عربية.

وسيكون هناك المزيد من التفاعل بين البلدين بفضل تلك الاتفاقية، مثل المزيد من التجارة والمزيد من الأعمال والمزيد من السفر، وستلغي الاتفاقية القاعدة التي كانت قائمة منذ ما يقرب من 50 عامًا، بعد حصول الإمارات العربية المتحدة على استقلالها في عام 1971، وهي معاملة إسرائيل ومواطنيها كأنهم منبوذين، كما سيزيد الضغط على الدول العربية الأخرى للقيام بتلك الخطوة.

وتعد اتفاقية التجارة الحرة بين إسرائيل والإمارات خطوة رائدة أخرى في تطبيع العلاقات بين إسرائيل وجيرانها العرب، وهي عملية مستمرة منذ أكثر من 40 عامًا، وقد حظيت تلك العملية بنجاح نسبي فقط إلى وقت قريب. وتم توقيع معاهدة سلام مع مصر في أواخر السبعينيات، وأخرى مع الأردن في عام 1994، تلتها اتفاقية التجارة الحرة الوحيدة الأخرى مع دولة عربية في عام 1995.

ولكن بغض النظر عن تلك الوقائع، فأنه لفترة عقود من الزمن كان يُنظر إلى إمكانية تطبيع العلاقات مع بقية العالم العربي على أنه احتمال غير وارد، إن لم يكن مستحيلًا، فقد أدى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني والسخط المتواصل حول حربي 1967 و1973 إلى جعل العلاقات بين إسرائيل وجيرانها ذات طابع عدائي.

وبدأ ذلك الوضع يتغير بسبب عاملين، الأول كان توقيع اتفاقيات أوسلو في منتصف التسعينيات، والتي فشلت في التوصل إلى اتفاق سلام شامل لكنها خلقت السلطة الفلسطينية وأدت إلى الانسحاب الإسرائيلي من غزة. والثاني، النظرة الإستراتيجية المشتركة بين إسرائيل ودول الخليج العربي بأن إيران تشكل تهديدًا خطيرًا للأمن الإقليمي.

وبينما ظلت فلسطين نقطة شائكة ومصدرًا ثابتًا للتوتر في العلاقات العربية الإسرائيلية، فإن وجود عملية سلام غير مستقرة مع توفر مصلحة إستراتيجية مشتركة حول إيران يعني أن التواصل المؤقت احتمال وارد، وغالبًا بتشجيع أو تسهيل من الولايات المتحدة. وسعت الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، وهما حليفان للولايات المتحدة، إلى التوصل لاتفاق بشأن قضايا مثل بيع أنظمة أسلحة متطورة إلى الإمارات العربية المتحدة، على الرغم من سياسة “التفوق العسكري النوعي” غير الرسمية لواشنطن التي منعت مبيعات الأسلحة لدول الشرق الأوسط والتي قد تقوض التفوق الدفاعي لإسرائيل، فضلا عن تعزيز موقف أمريكي أكثر صرامة تجاه إيران في خضم مسعى الرئيس باراك أوباما للتوصل إلى اتفاق نووي إيراني.

وكان توقيع اتفاقيات إبراهيم في سبتمبر 2020 بين إسرائيل والبحرين والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة تحولاً مفاجئاً، بسبب الاجتماعات السرية التي سبقته. وأشارت تلك الاتفاقيات إلى رغبة في تطبيع العلاقات بين إسرائيل ودولتين عربيتين، وضخت طاقة جديدة في العملية، كما اتفق السودان والمغرب على تطبيع العلاقات مع إسرائيل في غضون أشهر قليلة، في حين انتشرت الشائعات بأن السعودية ربما تفكر في خطوة مماثلة.

وبالتالي، فإن ما أثبتته اتفاقية التجارة الحرة هو أن الموجة الأولى من الاستثمارات والأنشطة التي أعقبت اتفاقات أبراهيم،  مثل افتتاح الرحلات الجوية المباشرة والاحتفال العلني بعيد ٱلأنوار في المدن الإماراتية، ستكون انشطة دائمة.

وهناك خطر يتمثل في أن الحماس الأولي الذي صاحب توقيع اتفاقية إبراهيم سيتضاءل، وقد تعمل البيروقراطية والرأي العام كحجر عثرة في طريق المزيد من التحسن في العلاقات، بينما لم تفعل إسرائيل شيئًا يذكر لتخفيف طرق احتلالها تجاه الفلسطينيين مع استمرارها في بناء المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

لكن الاتفاقية التجارية تشير إلى أن عزم كل من إسرائيل والإمارات على ترسيخ التحسن في علاقاتهما وتعميق الروابط بينهما، فمع الاتفاقية، هناك الآن هدف لمضاعفة التجارة بين الدولتين لأكثر من 10 أضعاف في خمس سنوات فقط لتصل إلى 10 مليارات دولار، وذلك من شأنه وضع الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الأولى بين الشركاء التجاريين لإسرائيل، وفقط كان للصين والولايات المتحدة تبادل تجاري أكثر مع إسرائيل في عام 2021.

وسواء تم تحقيق ذلك الهدف الطموح أم لا، فمن الواضح أن الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل ستشهدان على الأرجح نموًا سريعًا في مستوى التجارة والأعمال، مع قيام المزيد من الشركات بإنشاء متاجر في كلا البلدين بشكل متبادل، والمزيد من الزوار والمزيد من التفاعل بين كلا الشعبين، وفي الأسبوع الماضي فقط، بدأ طيران الإمارات رحلات يومية مباشرة من دبي إلى تل أبيب.

ومع ذلك، فإن الديناميكية في العلاقة بين إسرائيل والإمارات تكشف أيضًا كيف تتردد الدول العربية الأخرى في اتخاذ أي خطوات ثانية لتحسين العلاقات مع إسرائيل، بينما يتجنب البعض الآخر التطبيع تمامًا، فمن بين 28 دولة لم تعترف بإسرائيل، هناك 15 دولة من جامعة الدول العربية، بما في ذلك المملكة العربية السعودية.

ويكاد يكون من المؤكد أن الرئيس جو بايدن سيثير هذه القضية في زيارته للمملكة الشهر المقبل، حيث يتكهن “أكسيوس” أن البيت الأبيض يعد “خارطة طريق للتطبيع” لعرضها على الرياض.

لكن قد يتطلب الأمر مزيدًا من الترهيب والترغيب لحمل السعوديين على التوقيع، وحتى عندما تقود الإمارات الطريق في هذه العملية، فإن اتجاه وسرعة الدول العربية الأخرى نحو عملية التطبيع لا يزالان غير واضحين.

 

كريستيان لو ميير هو مؤسس ” أرسبل” وهي شركة استشارية إستراتيجية مقرها في لندن، وقد عمل سابقًا مستشارًا أول لمؤسسة في أبوظبي وزميلًا أول في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن.