هل أصبح الجدري المرض الوحيد الذي يجب تخليص العالم منه؟

جوناثان جرونال

AFP Photo: Tony Karumba

اجتمع خبراء الصحة في أبو ظبي هذا الشهر لحضور ثاني اجتماعات منتدى بلوغ الميل الأخير والذي يُقام كل عامين، وهي مبادرة طموحة خرجت إلى النور في العام 2017، وهدفها هو تخليص العالم من الأمراض التي يعاني منها الكثيرون أشد المعاناة. وفي هذا المنتدى، تم الإشادة بمسؤولي الصحة العامة الفاعلين، وخرجت تعهدات بعشرات الملايين من الدولارات لدعم عملهم الذي لا يقدر بثمن، وتم إطلاق معهد عالمي جديد للقضاء على الأمراض.

ورغم ذلك، من المستبعد أن تظهر نتائج سريعة لهذا المنتدى.
ويعكس مصطلح “بلوغ الميل الأخير” الجهور الحقيقي للمهمة التي هزمت أفضل العقول الطبية في العالم على مدى أجيال، والتي التزمت بها أبوظبي بشجاعة. هناك بعض التقدم على صعيد الحرب على الأمراض المدارية العشرين التي يغفل عنها العالم، وتستهدفها منظمة الصحة العالمية. وبين عامي 2010 و2017، انخفض عدد الأشخاص المصابين بتلك الأمراض العشرين، ولاسيما في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا، من 2 مليار إلى 1.5 مليار نسمة، وانخفض عدد وفيات الأطفال دون سن الخامسة من “9,8” مليون طفل في السنة إلى “5,4” مليون طفل. وانخفاض معدل الإصابة بمثل تلك الأمراض شيء، والقضاء عليها جميعها شيء آخر تماما. وفي الواقع، لقد حدث ذلك مرة واحدة فقط.

لقد مرت 39 سنة على إعلان منظمة الصحة العالمية العالم خاليًا من مرض الجدري بعد جهد دولي دام 30 عامًا لهزيمة تلك الآفة القاتلة التي دمرت البشرية على مدار أكثر من 3000 عام. ولكن منذ عام 1980، لم يحدث وأن تمكن العالم من القضاء على أي مرض تمامًا.

ومن بين الأمراض العشرين التي استهدفت منظمة الصحة العالمية القضاء عليها، هناك العديد من الأمراض التي كانت على وشك الانتهاء على مدار سنوات، غير أنها أصرت على البقاء.

ولنأخذ مرض “داء الحييات” على سبيل المثال، وهو مرض معروف باسم مرض دودة غينيا، وهو عدوى تسببها طفيل “التنينة المدينية” المنقولة عن طريق المياه. وتنمو الدودة داخل الجسم قبل ظهورها في نهاية المطاف عبر الجلد، وتصيب الضحية بالألم الشديد، وغالبًا ما تتركه بعدوى تصيبه بالعجز.

والخبر السار هو أنه منذ عام 1995، تم الإعلان عن 199 دولة وإقليم ومنطقة خالية من عدوى داء “الحييات”، وفي عام 2018، تم الإبلاغ عن إصابة 28 حالة فقط بالعدوى – حالة واحدة في أنغولا، و10 في جنوب السودان، و17 في تشاد. والأخبار السيئة هي أنه في عام 2012، تم اكتشاف أن الطفيل المسبب للعدوى يتخذ من الكلاب موطنًا له، ولاسيما في تشاد وإثيوبيا ومالي، مما يعقد جهود القضاء عليه. وحتى هذا العام، تم الإبلاغ عن إصابة 36 حالة بشرية على الأقل بالعدوى، معظمها في تشاد.

وفي فبراير / شباط، دعت منظمة الصحة العالمية إلى “تجديد الالتزام” لمواجهة التحديات التي كشفت عنها مبادرة “الميل الأخير” للقضاء على المرض. وأعلن مركز كارتر الخيري عن حملة بقيمة 40 مليون دولار، بهدف جمع التبرعات. ومن أولى المنظمات التي تجاوبت مع تلك الحملة، كانت مؤسسة الوليد بن طلال الخيرية والإنسانية، وهي مؤسسة سعودية، وتبرعت بمبلغ مليون دولار أمريكي. وأعلن “تيدروس أدهانوم غيبريسوس”، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، أن العالم “يقف على عتبة إنجاز تاريخي، وذلك باستئصال العدوى الطفيلية الأولى، وربما، ثاني الأمراض فتكًا بالإنسان.

من الممكن حدوث ذلك. لكننا ناقشنا هذا الأمر قبل ذلك، وقلنا أن داء الحييات هو خلاصة مرض طويل الأمد. وكما ذكرت المجلة الطبية، ذا لانسيت، في مقال افتتاحي مفعم بالحيوية في فبراير الماضي، فإن المواعيد النهائية لاستئصال مرض دودة غينيا “جاءت وولت دون تحقيق أي نجاح”.

استهدفت جمعية الصحة العالمية، وهي إحدى هيئات اتخاذ القرار التابعة لمنظمة الصحة العالمية، المرض لأول مرة في عام 1991 من أجل استئصاله خلال أربع سنوات. ولم يتحقق أي شيء أيضًا خلال المواعيد النهائية في عامي 2009 و2015، ويبدو من المؤكد أن مرض دودة غينيا سيظل تقريبًا إلى ما بعد نهاية عام 2020، وهو آخر موعد تم تحديده للقضاء على هذا المرض. وخلصت مجلة “ذا لانسيت” الطبية إلى أن الاستئصال سيكون، في أحسن الأحوال، خلال سنوات عدة، وفي أسوأ الأحوال، مجرد حلم خاطئ”.

إن بقاء أي مرض يعتمد على المتغيرات الجغرافية والاجتماعية والسياسية والثقافية المتغيرة باستمرار. فعلى سبيل المثال، انخفض عدد الوفيات الناجمة عن الحصبة، وهو مرض تم تحديده منذ عقود على أنه قابل للاستئصال، من “550,100” إصابة في عام 2000 إلى “89,780” إصابة في عام 2016. ولكن في عام 2016، هناك ما يقرب من 7 ملايين شخص، معظمهم في إفريقيا وآسيا، مازالوا مصابون بمرض سيهاجم الدول المتقدمة – بفضل الدعاية الخاطئة المتعلقة بالمصل المضاد.

وهناك مرض الملاريا، وهو مرض آخر عنيد. وفي عام 2017، تم إنفاق أكثر من $3 مليارات دولار أمريكي على جهود استئصال المرض، ورغم ذلك، ارتفعت حالات الإصابة بالفعل، من 217 مليون إلى 219 مليون حالة. وقتلت الملاريا حوالى “435,000” شخص في الهند، وعشرة “10” أشخاص في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

وكان آخر من علم أنه مصاب بمرض الجدري بشكل طبيعي، هو “علي ماو مالين”، وهو صومالي، وتم تشخيص إصابته بالمرض في عام 1977. وقد نجا “علي” من المرض، ولكن بمفارقة مفجعة، أُصيب بالمرض، ثم توفى بسببه أثناء عمله كمتطوع في إحدى حملات التطعيم ضد شلل الأطفال في الصومال في العام 2013.
واكتسب العلماء الثقة والأمل بعد قضائهم على مرض الجدري. لكنه لا يزال المرض الوحيد الذي تم القضاء عليه من خلال عمل عالمي موحد، ولم يتحقق إلا بعد 175 عامًا من اكتشاف اللقاح.

إن وجود فائدة اقتصادية جراء القضاء على مرض الجدري حقيقية لا جدال فيها. وبلغت تكلفة الحملة الدولية للقضاء على المرض خلال عقد بأكمله حوالى “300” مليون دولار أمريكي، مقارنةً بـ”1,35″ مليار دولار أمريكي يتكبدها لاقتصاد العالمي سنويًا. ومع ذلك، وحتى بعد هزيمة مرض الجدري، فإن من كتب الرواية الرسمية داخل منظمة الصحة العالمية عن المعركة ضد هذا المرض، أكد في العام 1988: “إن احتمالات القضاء على معظم الأمراض التي تصيب البشر في الوقت الحاضر ليست جيدة”.

ولا يزال هذا التشخيص القاتم صحيحًا، حتى بالنسبة للأمراض الثلاثة التي حددها الكتاب قبل 31 عامًا كأمراض ستحذو على الأرجح حذو مرض الجدري: وهي أمراض، الحصبة وشلل الأطفال ودودة غينيا.

جونثان جورنال، صحفي بريطاني، عمل سابقًا لدى صحيفة “التايمز”، وقضى فترة من عمره في منطقة الشرق الأوسط وعمل فيها، ويقيم الآن في بريطانيا.