ارتفاع النفط و مدي تأثيره علي تراجع اقتصاد دول الخليج العربي

جوزيف دانا

AFP Photo: Karim Sahib

منذ سبعينيات القرن الماضي، والمحللون يدقون ناقوس الخطر بشأن “ارتفاع سعر النفط”. وليس المقصود بهذا هو استنفاد الموارد الهيدروكربونية – أو الاستمرار في الإعلان عن اكتشاف احتياطات جديدة من النفط، بل على النقيض، فإنه إشارة إلى الوقت الذي تبدأ فيه مستويات استخراج الغاز والنفط في الانخفاض مع انخفاض الطلب – ويرجع ذلك في معظمه إلى ظهور الطاقة البديلة.

ويعتقد صندوق النقد الدولي، في تقريرٍ جديدٍ له، أن الطلب العالمي على النفط سيبلغ ذروته بحلول العام 2041، ثم ينخفض. وإذا كان الأمر كذلك، فمن المرجح أن ينخفض سعر برميل النفط هو الآخر. ولا يتطلب الأمر عبقرية لندرك أن مكانة النفط كمصدر مألوفٍ للطاقة تواجه تحديات متنامية بسبب المخاوف المتعلقة بتغير المناخ، والتحسن السريع في تكنولوجيا الطاقة البديلة.

ويركز صندوق النقد الدولي في وجهة نظره المتعلقة “بذروة النفط” على تأثير هذا الأمر على الدول الرئيسية المنتجة للنفط كتلك الموجودة على شواطئ الخليج العربي. وهناك من يقول بأن “ذروة النفط” قد تشكل ضغطًا كبيرًا على تلك الدول، وذلك في ضوء اعتماد تلك الدول بشدة على مبيعات الموارد الهيدروكربونية. وباتت تلك الدول، وهي التي وضعت خططًا للمدخرات الوطنية في شكل صناديق الثروة السيادية من مبيعات النفط والغاز، معرضة لخطر إنفاق مدخراتهم. وبالتالي، هناك أزمة وجودية على بعد عقدين فقط من الزمن.و ربما لن يحدث ذلك ، فمن يدري!

إن التحذيرات الخطيرة الواردة في الصحافة الغربية بشأن الموارد المالية لدول الخليج ما هي إلا قصة مبتذلة، وقد فشلت الصحف الغربية بطريقة أو بأخرى في توضيح الاستراتيجية التي انتهجتها اقتصادات دول الخليج عبر عقدٍ من الزمان للتحول من الاعتماد على صادرات الموارد الهيدروكربونية إلى الصناعات المحلية الأكثر استدامة. واليوم، وليس بعد عشرين عامًا، تُنفق دول الخليج من صناديق ثرواتها السيادية – حتى لا تلجأ إليها في المستقبل. و بمطالعة التطورات الاقتصادية في دولة الإمارات العربية المتحدة وحدها، فمن الواضح أن الاستثمارات في البنية التحتية وقطاع التصنيع والخدمات بدأت تؤتي ثمارها بشكل حقيقي، ولا سيما في قطاعات التكنولوجيا الثقيلة، والطاقة المتجددة كذلك.

وأدركت دولة الإمارات العربية المتحدة بسرعة القدرة الفائقة المتوقعة للإنترنت، واتخذت قرارين حاسمين لضمان النمو المحلي في القطاعات ذات الصلة بالتكنولوجيا، أولهما، تشييد بنية تحتية عالمية المستوى، وتوجيه الإدارات الحكومية بتطبيق التكنولوجيا لتيسير عملية الإدارة. وبدءًا من خطة دبي الذكية في عام 2013 وصولاً إلى إنشاء وزارة الذكاء الاصطناعي في عام 2017، اتخذت البلاد كل خطوة ممكنة لتعزيز اقتصاد المعرفة الحقيقي، وهو ما يمكنها من تجاوز اعتمادها على صادرات المواد الهيدروكربونية. ومن السهولة بمكان رفض تلك الإجراءات باعتبارها مجرد فعاليات جذابة من أفعال العلاقات العامة، غير أن واقع البيئة التقنية في الإمارات العربية المتحدة يخفي هذه الرواية. وهناك مبادرة صادرة من رأس السلطة على مستوى الكيانات الحكومية الاتحادية وداخل الإمارة لمتابعة استثمارات القطاع الخاص.

وفي ضوء هذه المبادرة، شهد قطاع التكنولوجيا الاستحواذ الأكبر من نوعه في تاريخ الشرق الأوسط على شركتين في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث استحوذت شركة “أمازون” على شركة “سوق دوت كوم”، وشركة “أوبر” على “كريم”. ويكشف هذا الاستحواذ عن أمرين، أولهما، ضخامة شركات التكنولوجيا داخل النظام البيئي للأعمال في الإمارات العربية المتحدة، ومدى تطور تلك الشركات، وهو ما يتضح من خلال جذبها لكبرى شركات التكنولوجيا العالمية. وهذا بدوره يولد حلقة مفرغة، حيث تنجذب المزيد والمزيد من شركات التكنولوجيا إلى دولة الإمارات، لأنها مركز الثقل الجديد لعالم الأسواق الناشئة. فإذا كنت مطورًا تقنيًا في أوغندا أو كازاخستان أو تايلاند، فستكون دبي على الأرجح إحدى محطات رحلات العمل.

وبعد قطاع التكنولوجيا، تأتي قطاعات السياحة والرعاية الصحية والخدمات المالية، وما إلى ذلك، ومن الواضح أن دبي وأبو ظبي ليست مجرد إماراتين عربيتين غنيتين بالنفط – للإشارة إليهما بالاختصارات التي تستخدمها الصحف الغربية. وبدلاً من ذلك، فإنهما مركزين حضريين جدد للتنوع الاقتصادي، واللذان يحظيان بالرعاية حتى مرحلة النضج قبل أن تبلغ “ذروة النفط” أقصاها.

وتمتلك الدولة المجاروة، وهي المملكة العربية السعودية، وأحد أكبر منتجي النفط في العالم، استثمارات ضخمة في دولة الإمارات العربية المتحدة. وضخت المملكة العربية السعودية أموالاً طائلة في البنية التحتية لاقتصاد المعرفة، ودعمت الاقتصاد الجديد من خلال مبادرات البرمجة مثل تسهيل إجراءات استخراج تأشيرة الدخول، وتبني موقف أكثر تحررًا تجاه العادات الاجتماعية. وسيستغرق الأمر وقتًا للوصول بالنظام البيئي للتكنولوجيا في المملكة العربية السعودية إلى ذلك المستوى في دولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك بسبب حجم الاقتصاد السعودي. ولكن مع استنساخ نهج دولة الإمارات العربية المتحدة في بناء نظام بيئي للتكنولوجيا، أثبتت القيادة السعودية أنها لا تنوي إضاعة أي وقت في وضع الأساس اللازم لتحويل الاقتصاد. وبالنظر إلى حجم السكان في المملكة العربية السعودية واقتصادها، سيكون لإعادة تشكيل الاقتصاد السعودي تأثير ملموس أكبر منه في دولة الإمارات العربية المتحدة.

وتتبنى دول أخرى في المنطقة، ومنها قطر، خطوات مماثلة بدرجات متفاوتة من الأهمية. ومع عدد سكانها الذي يزيد قليلاً عن “300,000” نسمة، وامتلاكها لأكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، سارعت قطر بدرجة أقل من جيرانها نحو التحول الاقتصادي، ورغم ذلك، لايزال التطوير قائمًا لبعض الأفكار المماثلة فيما يتعلق بالاستثمار في الاقتصاد الجديد.

إن القول بأن دول الخليج معرضة للخطر لأن العالم يبتعد عن النفط – وأن تلك الدول ستنفق مدخراتها الوطنية – يتجاهل العمل الجاري بالفعل للانتقال إلى نموذج اقتصادي جديد ومستدام. وقد يكون التحول بطيئًا في بعض الحالات، ولكنه يحدث. وربما يتعين على صندوق النقد الدولي أن يطلب من المحللين الاقتصاديين لديه قضاء المزيد من الوقت في الخليج، بدلاً من محاولة تحليل الاقتصاد على أساس التقارير الواردة في الصحف الصادرة في بلادهم.

“جوزيف دانا”،هو كبير محرري موقع 85emergeو وهو أحد المختبرات التي تستكشف التغيرات في الأسواق الناشئة وتأثيرها العالمي.ويقيم في دولة جنوب أفريقيا ودول الشرق