هل يتلاشى فنّي المحادثة والنقاش تزامناً مع فن الشعر في العالم العربي؟ وهل لا زلنا بحاجة إلى الشعر؟

ريم تينا غزال

الخطيب الناجح يجعلنا نرى من آذاننا
– مثل عربي قديم

منذ مئات السنين، في السوق الصاخبة المعروفة باسم عكاظ والتي تقع بين مدينتي الطائف ومكّة، اجتمع الناس من جميع أنحاء العالم العربي ليس لتبادل الأسلحة والقطع النقدية فحسب، بل لممارسة مهاراتهم الخطابية بأغلى سلاح يملكونه: لسانهم. تقع عكاظ على مفترق الطرق القديمة في العالم العربي، فكانت مسرحاً للأنشطة التقديمية الأدبية والجمعيات لحل النزاعات القبلية، والتمعّن في المناقشات الفلسفية والقيام بالمسابقات الشعرية. واستخدم الخطباء الناجحون الشعر كوسيلة للتعليق على القضايا الاجتماعية والسياسية. وفي السوق الأفكار تلك، كان اختيار الكلمات والنبرة الصحيحة مثل العملة، حيث كان الأكثر مهارة بين الشعراء الأكثر ثروةً.

فلن يتمكن من فهم الثقافات العربية المتنوعة والمعقدة، سواء في الماضي أو الحاضر، من لا يقدّر تقليد المهارات الخطابية وخاصة الشعر العربي، فهي منسوجة في نسيج المجتمع نفسه. وغالبا ً ما حدد إتقان اللغة العربية الأحداث التي شكّلت مجتمعات بأكملها. وفي الواقع، هذا التمكن غالباً ما ينعكس ليس على كلمات الفرد فحسب، بل على ما يختار ألّا يتفوه به . وجاء في قول عربي قديم ”فإن نطقت الكلمة ملكتك، وإن لم تنطقها فملكتها أنت“ وحذر آخر: ”حذار أن لسانك لا قطع حلقك.“

وفي يومنا هذا فلا شك أن الوسيلة الأكثر فعالية للاتصال هي البصرية. ولكن تقليدياً، فكانت براعة الخطابات الظريفة التي يتبادلها الشعراء هي الشكل الأكثر إقناعا بعد السيف. وتقصّ للأسطورة إن أكثر القصائد إثارة للإعجاب هي التي ألقيت في عكاظ فتنسخ على لافتات منسوجة بالخيوط الذهبية وفتعلّق على الكعبة في مكّة لمدة سنة أو أكثر. وما من شرف أكبز بالنسبة لشاعر من أن يكون له أو لها كلمات تخلّد في مكّة المكرمة. وتأتي هذه الممارسة من أصل اسم المعلقات بمعنى ”قصائد معلقة“ أو ” أشعار معلّقة“ – مجموعة تبجيل جمعت أعمال أهم سبعة شعراء ما قبل الإسلام.

من الأناقة إلى التركيبات السياسية والوطنية، إلى القصائد الرومانسية والحب والكرب والأهجية التي تعبّر عن مخاوف هذخ الفترة، فكانت ثروة الثقافة العربية والتاريخ تعرض في شعرها. ولا يزال هذا التقليد يقدّر اليوم باعتباره سجلاً للأحداث التاريخية الهامة التي شكلت المنطقة. حيث يعرف الشيخ محمد بن راشد، حاكم دبي في الإمارات العربية المتحدة، بتأليفه قصائد – والشعر النبطي بشكل خاص – للاحتفال بالمناسبات الخاصة.

ومع ذلك، فالشعر العربي في خطر. من منا اليوم يمكن أن الارتجال ببراعة وذكاء في قافية بينما يؤدي رقصة تقليدية بالعصا؟ كان هذا الفن يعتبر في القدم رمزاً للرجولية (أما اليوم فلا).

أما اللغة العربية نفسها، فتشهد تراجعاً على الرغم من الحملات المتتالية والتي تحث الشباب العرب على تبني لغة أسلافهم من مبادرات ومسابقات، حيث الألوان اللغوية والتعابير العربية التي أطاحت بها هيمنة اللغة الإنجليزية.

وتم إدراج العزي، وهو شكل من الأشكال الشعرية التقليدية الذي يعبّر عن الثناء والفخر والثبات في الإمارات العربية المتحدة، في العام الماضي على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صون عاجل. هذا الشكل التقليدي للحساسية الشعرية، التي تقوم بها مجموعات بدون آلات موسيقية، يعود إلى ما لا يقل عن 250 عاماً. وهو يتألف من قصائد مقطعية تقوم على الانشاءات التقليدية مع الخطوط المتشابكة أحياناً مع القصائد المعروفة المحفوظة أو تلك المرتجلة والأمثال. وغالباً ما يتم تقديمها على شكل قصائد تعبر عن الشرف والفخر،فكانت تعاد وتكرر لتعزيز معنويات الجنود وهم يستعدون للحرب. وفي الآونة الأخيرة، كان العزي يجري بانتظام في حفلات الزفاف، مشيداً العريس والقبائل التي حضرت الحفل. تم إضافة تقليد مماثل في عمان على نفس القائمة في عام 2012.

وهناك شكل تقليدي آخر من أشكال الشعر التي اعترفت بها اليونسكو في عام 2012، وهي التغرودة، وهي عبارة عن شكل فني بدوي تقليدي يرتجله الرجال المسافرين على الجمال عبر المناطق الصحراوية في الإمارات وعمان. ويعتقد البدو أن الهتاف ليس فقط للترفيه ولكنه يعطي الحماس للجمال طوال الرحلة في الصحراء.

وليست هذه الأشكال الفنية مجرد ترفيه، بل إنها تعزز الروابط الاجتماعية فتبقى اللغة حية. وأحد الأسباب الرئيسية لتلاشي هذا التقليد والأشكال الأخرى من الشعر- والتي لم تعد تظهر سوى في المهرجانات التراثية والمحافل الوطنية – هو أن العديد من كبار الشعراء قد توفي ولم يظهر لهم خلفاء بين الأجيال الشابة.

وعلى الرغم من التحديات الكثيرة – أو ربما بسببها – كثرت الجهود للحفاظ على فن الشعر من خلال المهرجانات والبرامج التلفزيونية التي تضم جوائز كبيرة مثل مسابقة ”شاعر المليون“ في أبوظبي، والتي تحتفي باللهجة النبطية المحلية السائدة في منطقة الخليج العربي، وبرنامج ” أمير الشعراء“ الذي يركز على اللغة العربية الفصحى.

ولكن في النهاية، هل بقيت للشعر أهمية في أيامنا هذه؟ أود أن أقول نعم. فأي مراقب ثقافي جاد سيعرف أن التقاليد الشعرية لا ينبغي التخلص منها أو التقليل منها. إنها من أهم الممكنات لمحاولة تنظيم الأفكار، والإقرار بكلام واضح راسخ. ونقف كلنا معجبين أمام من يمكنه إلقاء الشعر أو اقتباس أروع القصائد فالشعر يفتن النخب والجماهير على حد سواء. فإنه يعلم، يلهم ويتحدى المستمع. وفي عصر ربما كان أكثر تطوراً من عصرنا هذا، كان الشعر لغة الدبلوماسية. ويظهر نقيد ذلك فيفي البرامج السياسية التي كثرت على شاشاتنا العربية حيث يبقى النقاش مرآة للأنانية الفردية فغالباً ما يتحول إلى مضاربة. (من الواضح أننا بحاجة إلى مزيد من الشعر.)

وللحفاظ على هذا الركيزة من الثقافة العربية، يجدر أن ندرك أن الشعر غني بالحكمة. أم اليوم، فنكتفي باقتباس كلمات غيرنا في عصر باتت فيه التغريدات أهم من القافية. فلماذا لا نعطي أقدم شعراء المنطقة المنسيين – رجالاً ونساء – فرصة جديدة للتعبير عن فنهم وإرثهم؟

ريم تينا غزال هي خبيرة متعددة الثقافات تخص بتاريخ العربكما أنها سفير للسلام، مفكرة وموثقة، محاضرة ومؤلفة كتب خاصة بالشباب. وبصفتها صحفية حائزة على جوائز تتحلى ريم بخبرة تزيد عن 15 عاماً، حيث كانت من أوائل النساء العربيات اللواتي غطين مناطق الحرب في الشرق الأوسط في عام 2003.

AFP PHOTO