لماذا لجأ النظام السوري إلى القوة الوحشية في الغوطة؟

حايد حايد

إن الهجمة التي شنها النظام السوري على الغوطة الشرقية بريف دمشق كانت من أكثر الهجمات عنفاً ودموية في الحرب السورية التي استمرت لسبع سنوات وما زالت، حيث استخدمت القوات الموالية للنظام جميع الأسلحة الموجودة في ترسانتها تقريباً، بما في ذلك الذخائر المحظورة دولياً مثل القنابل العنقودية والمواد الحارقة، بل وحتى الأسلحة الكيماوية. وإذا كان جلياً أن الغوطة الشرقية تكتسي أهمية استراتيجية بالنسبة لدمشق، بصفتها واحدة من آخر الجيوب الخاضعة لسيطرة الثوار على مقربة من العاصمة السورية، فإن القوة المفرطة التي تستخدمها دمشق تبقى مستعصيةً على الفهم بفعل درجة الوحشية التي بلغتها حتى بالمعايير المُخزية التي انتهت إليها هذه الحرب. فلماذا كل هذا؟ الإجابة هي أن الأمر لا يتعلق بالغوطة فحسب، بل يتعلق بإخضاع ودحر كافة القوات المعارضة لبشار الأسد، أينما كانت.

ولعل من أسباب تسخير نظام الأسد لجميع الموارد العسكرية المتوفرة لاستخدامها في الغوطة هو السماح للنظام بالاستيلاء على المنطقة بوتيرة أسرع، حيث سبق له أن قام بحسابات مماثلة في الماضي. فبغض النظر عن الفظائع المروعة التي استمرت لما يقارب عقداً من الزمان، لم يتحمل بشار الأسد أي مسؤولية عن أعماله، وربما كانت الحصانة التي يتمتع بها الأسد ونظامه قد شجعتهم على استخدام كلما بوسعهم من إمكانيات للسيطرة على الغوطة بأسرع وقت ممكن، رغماً عن أي تغطية إعلامية سلبية قد تترتب عن هذا الأمر (فالأسد ونظامه لا يأبهون بذلك). لكن رغم كل هذه القوة العسكرية، فقد احتاج النظام لوقت أطول بكثير من المتوقع للسيطرة على الغوطة، ففي نهاية الأمر، لا تتجاوز مساحة المنطقة 100 كيلومتر مربع، فلماذا إذن لم يقم النظام بقصفها ببساطة بدل استغراق فترة طويلة في محاولة السيطرة عليها؟ لِمَ تأجيل النصر؟ يكمن الجواب في أن الغوطة التي تضم ما يُقدر بـ400 ألف مدني كانت دائماً بمثابة مسرح لاستعراض القوة المهولة التي يستخدمها النظام، ولذلك فكلما طالت المدة التي تتصدر فيها وحشية النظام عناوين الأخبار الدولية، كلما خدم ذلك مآرب النظام بشكل أفضل (وهذا أمر يهم الأسد ونظامه).

لقد شبَّه العديد من الخبراء النظام السوري بالعصابات المنظمة أو المافيا. ووفقاً لهذا التشبيه، فإن الغرض من العمليات العسكرية لم يكن هو تحقيق المكاسب التكتيكية فحسب، بل كذلك توجيه رسائل مخصَّصَة بعناية. وشأنه شأن المافيا، فإن النظام لا يفهم سوى لغة العنف، لذلك فهو يربط بين درجة الوحشية التي عليه اقترافها وأهمية الرسالة التي يود إيصالها.

وبالعودة إلى الغوطة، كانت الرسالة التي ينشرها النظام بصوت عال وواضح هي أنه لن يتساهل مع أي جيب من جيوب المقاومة، وأن الحل الوحيد أمام أعدائه هو الاستسلام غير المشروط. وبالفعل، كان الأمر الذي سعى النظام لتوضيحه للثوار والمدنيين الذين يعيشون بجوارهم هو أنه لا يوجد أي شخص يمكنهم اللجوء إليه لإنقاذهم. فالحل أمام الثوار، والمدنيين العالقين معهم، هو الخضوع أو الموت.

وبشكل خاص، كان الغرض من الهجمة على الغوطة هو تسريع الاستسلام غير المشروط لجميع جيوب المقاومة الأخرى، خاصة في المناطق المحيطة بمخيم اليرموك (يلدا وببيلا وبيت سحم وعقربا)، والضمير والقلمون الشرقي وحمص (الرستن والحولة). وقد سبق للعديد من الثوار في هذه المناطق المشاركة في مستوى ما من المفاوضات، سواء مع النظام أو داعميه، من أجل التوسط لوقف إطلاق النار أو الوصول لاتفاقات مصالحة محلية تسمح لهم بالبقاء في هذه المناطق. أما الآن، لن يقبل النظام أي اتفاق لا يسمح له باستعادة السلطة التامة، بما أن الهدف الحقيقي من وراء الفظائع المرتكبة في الغوطة هو إجبار الثوار على وقف محاولات التفاوض ورفع راية الاستسلام التام والكامل عاجلاً وليس آجلاً. وستكون هذه الاتفاقات مصحوبة بعمليات إخلاء قسرية لنفي أولئك الذين يعارضون الأسد إلى المناطق الأخرى في إدلب، التي تظل حتى الآن خاضعة للثوار.

وقد بدأ هذا الأمر يُؤتي أكله لصالح الأسد، فبعد ما يقارب سنتين من المفاوضات، رضخت جماعات الثوار والشخصيات النافذة في حي القدم، الذي يقع في ضواحي دمشق، وقبلت صفقة في أوائل شهر مارس تسمح للنظام باستعادة السيطرة التامة والهيمنة الكاملة على المنطقة، وما هي إلا البداية.

لقد كان الهدف من وراء ارتكاب فظائع الغوطة أيضاً هو إعلام المعارضين أنه لا ينبغي لهم توقع أي انتقال سياسي لا يشمل بشار الأسد. لذلك، فإن النظام يشير بشكل واضح إلى أن المعارضين الراغبين في البقاء داخل البلاد عليهم أن يلزموا حدودهم أو يتحملوا عواقب انشقاقهم، وهي عواقب قد تشمل السجن في أحسن الأحوال، والتعذيب والموت في أسوئها.

إن عجز أو امتناع المجتمع الدولي عن وضع حد للويلات التي يقترفها نظام الأسد – بل وفشله حتى في جعل الأسد وأعوانه يخشون عواقب أفعالهم – يسمح للنظام بمواصلة استعمال تكتيكات وحشية مرفوضة تماماً. زد على ذلك أن هذا الوضع يمثل نموذجاً يقتدي به غيره من الحكام المستبدين الذين ستغريهم ولا شك قصة نجاح الأسد في الصمود. ولن تنتهي هذه الحلقة المفرغة (بكل ما للكلمة من معنى) إلا إذا شعر هؤلاء الوحوش أنهم لن يستطيعوا حصد المزيد من الأرواح والإفلات بفعلتهم دون عقاب. لكن مع الأسف، فإن المأساة الوحشية والمروعة التي يعيشها سكان الغوطة الشرقية لا تشير إلى اقتراب موعد ذلك.

AFP PHOTO/STR