لماذا تعهّدت السعودية بتقديم مِنح لمناطق تقع تحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”؟

حايد حايد

خلال مكالمة هاتفية جرت مؤخراً مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قام وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بتقديم الشكر لولي العهد السعودي على دعم المملكة لمجهودات إحلال الاستقرار التي تقودها الولايات المتحدة في منطقة شمال شرقي سوريا، وقد تعهّدت المملكة العربية السعودية بتقديم 100 مليون دولار من أجل إعادة بناء البنية التحتية وعودة الخدمات بالمناطق التي تقع تحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” المحسوبة على الأكراد والمدعومة من الولايات المتحدة، وهو تحالُف تم تكوينه للوقوف بوجه تنظيم الدولة الإسلامية داعش وتقوده “وحدات حماية الشعب” الكردية، وتكمن أهمية المبلغ الذي تعهّدت به الرياض في قدرة الولايات المتحدة على إقناع المملكة العربية السعودية بدعم “قوات سوريا الديمقراطية” على الرغم من التبعات الدبلوماسية التي ستسفر عنها تلك الخطوة، فقد تردّدت العديد من الدول فيما يتعلّق بتقديم الدعم لقوات سوريا الديمقراطية، أما تركيا التي شعرت بالإهانة فقد اعتبرت “وحدات حماية الشعب” الكردية جماعة إرهابية وأنها امتداد لحزب العمال الكردستاني المحظور، ومن ثم يصبح من الأهمية فهم الأسباب التي تقف وراء هذا التحول الذي طرأ على السياسة السعودية وكذا فهم تبعات هذا التحول.

والواقع أن السبب الرئيسي والحاسم للتعهُد الذي قامت به السعودية هو إحباط الخطط الأمريكية التي ترمي إلى مغادرة سوريا، وهو ما يعني زيادة النفوذ الإيراني في تلك المنطقة حال مغادرة واشنطن، والحقيقة أن رغبة واشنطن في الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية شمال شرقي سوريا قد ا أثار المخاوف في المنطقة وخارجها، حيث من المُتوقّع لتلك الخطوة أن تشجع النظام السوري في محاولاته لاستعادة السيطرة على المناطق التي تقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية في الوقت الراهن، وبناء على القيود المفروضة على قوات النظام فإن أية مكاسب يحققها النظام السوري تكون مسئولية الميليشيات المدعومة من إيران، وهذا سيزيد بالتبعية من النفوذ الإيراني في المنطقة، وسيدعم محاولات إيران التي ترمي الى إنشاء جسر بري يربط بين طهران وبيروت ويمر عبر العراق وسوريا.

والواقع أن خطط واشنطن الخاصة بخفض عدد القوات تستند إلى مبدأ تخفيض النفقات، وقد شرح الرئيس الأمريكي ذلك خلال تغريدة له على مواقع التواصُل الاجتماعي حيث قال: “لقد اوقفت الولايات المتحدة المساعدات التنموية السنوية المقدمة إلى سوريا والتي تقدر ب 230 مليون دولار سنوياً، وستبدأ المملكة العربية السعودية والدول الأخرى الغنية في المنطقة بتقديم المساعدات بدلاً من الولايات المتحدة، إنني أرغب في تنمية أمريكا، وقواتنا المسلحة وكذا تنمية الدول التي تدعمنا”، ومن هذا المنظور فإن تحمُل الرياض تلك المدفوعات عن الولايات المتحدة في سوريا يعُد بمثابة محاولة لإقناع إدارة ترامب بالبقاء والاستمرار في احتواء النفوذ الإيراني في سوريا.

ومن المُحتمل أن يؤدي التعهُد السعودي بتقديم تلك الأموال إلى تشجيع دول أخرى، خاصة في المنطقة، على أن تنخرط بشكل أكبر في تمويل مشروعات الاستقرار شمال شرقي سوريا، وفي الواقع فقد تعهّدت الإمارات العربية المتحدة بتقديم منحة تبلُغ 50 مليون دولار للمناطق التي تقع تحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”.

وقد أخبر دبلوماسي أمريكي كاتب تلك السطور أنه على الرغم من أن مساهمات السعودية والدول الأخرى لا تعني أن واشنطن ستبقى في سوريا بطريقة مستمرة، الا ان تلك المساهمات تعمل على دعم الاصوات التي تؤيد بقاء واشنطن، وتعود تلك الأصوات الى بعض الأعضاء من الإدارة الأمريكية، وستقوي تلك الاسهامات حجتهم.

علاوة على ذلك، فإن الإسهامات السعودية من الممكن أن تساعد الرياض على استعادة بعض نفوذها في سوريا وهو النفوذ الذي شهد انحساراً في الفترة الأخيرة، وكي نكون على يقين، فقد لعبت المملكة العربية السعودية منذ البداية دوراً حيوياً في دعم الثورة المسلحة ضد النظام السوري، وقد تركّزت مُعظم مجهودات المملكة على تمويل فصائل الثورة السورية، فضلاً عن تمويل أحزاب المعارضة السياسية، لكن تورُط ودعم الرياض بدأ في التحول حينما بدأ التدخُل الروسي في سوريا، مما أسفر عن قلب التوازن العسكري على الساحة السورية ليصبح في صالح النظام السوري.

وكنتيجة لكل ذلك؛ فقد دفعت الخسائر في الأراضي التي لحقت بالثوار وكذا عدم قدرة هؤلاء على تهديد النظام السوري عسكرياً دفعت المملكة العربية السعودية إلى إعادة التركيز على دعم الهيئة العليا للمفاوضات السورية المحسوبة على المعارضة في محاولة لإيجاد حل سياسي للحرب الدائرة على الأراضي السورية، والآن، وعلى أي حال، فإن المنحة السعودية الجديدة يمكن لها أن تؤدي إلى إعادة بناء علاقات جيدة مع “قوات سوريا الديمقراطية” التي باتت تسيطر على 30% من مساحة سوريا.

وبشكل أسرع، من الممكن أن يؤدي التحول في السياسة السعودية إلى تحسين العلاقات بين الرياض وأنقرة، وهذا الأمر بالطبع يتسم بالتناقُض، لكن المسألة معقدة للغاية.

ومنذ البداية، فقد تشابكت السياسة السعودية في سوريا مع سياسة أنقرة، لكن العلاقات بين البلدين كانت قد انهارت بعد اندلاع الأزمة السعودية القطرية في العام الماضي، حيث وقفت أنقرة إلى جانب الدوحة، وقد أسفر ذلك بالتبعية عن وجود علاقة بين السعودية والميليشيات الكردية التي تعارض في الأساس النفوذ السعودي في منطقة الشمال السوري، وقد بدأت العلاقات بين الطرفين في التحسُن خلال الفترة الماضية، فقد بدأت وسائل الإعلام السعودية في استضافة مسئولين رفيعي المستوى من أكراد سوريا، الذين قاموا بدورهم في مدح الدور الذي تقوم به المملكة من أجل بسط الاستقرار في سوريا، كما بدأ هؤلاء في انتقاد إيران وتركيا وقطر، لذا فإنه خلال العام الماضي فإن أنقرة رأت الدعم الذي تقدمه السعودية للجماعات الكردية على أنه تهديد للمصالح التركية، وكي نكون على يقين؛ فإن المنحة السعودية الجديدة التي تشمل مناطق تسيطر عليها “قوات سوريا الديمقراطية” تهدد بتخريب العلاقات التركية السعودية، والواقع أن تركيا التي تدعم فصائل الثورة قد بدأت بشكل علني في انتقاد المنحة السعودية الموجهة لقوات سوريا الديمقراطية باعتبار تلك القوات عدو لأنقرة.

والآن، فإن تلك المنحة السعودية من الممكن أن يكون لها القدرة على تغيير المفاهيم، والواقع أن حقيقة قيام المملكة بإنفاق تلك الأموال بالعمل مع واشنطن لن يفعل الكثير لتهدئة المخاوف التركية، ولو قامت الرياض بالدخول في مناقشات مع أنقرة حول المخاوف الأمنية التركية، وكذا إذا ما اتفق الطرفان على مسألة أين وكيف يتم إنفاق تلك المنح السعودية، فإن هذا سيعُد بمثابة إجراء لبناء الثقة سيسهم في عودة العلاقات بين أنقرة والرياض.

لكن بالطبع فإن مفتاح كل هذا يكمن في كيفية إقناع الأمريكان بالبقاء في سوريا، والسبب الرئيسي لهذا هو الحفاظ على سوريا خارج النفوذ الإيراني، وفيما عدا ذلك سيكون من الشكليات التي من الممكن حلها.

 

AFP PHOTO/Delil Souleiman