لماذا (بالطبع) يجب أن يقلق الشرق الأوسط بشأن دونالد ترامب

حسين عبد الحسين

AFP photo: Gabriel Bouys

تواجه أمريكا حاليًا ثلاث أزمات على ذات القدر من الضخامة في آن واحد: وباء لا يقل خطورة عن الإنفلونزا الإسبانية التي انتشرت في العام 1918، وتراجُع اقتصادي يذكّرنا بالكساد الكبير خلال العام 1929، وحركة احتجاجات ضخمة تذكّرنا بما حدث في العام 1968، وفي عهد دونالد ترامب بات لأمريكا قائد لا يوجد شبيه له على مدار تاريخها. والشرق الأوسط الذي يدين بالكثير للولايات المتحدة – الخير والشر واللامبالاة – يجب عليه أن يركز الكثير من الاهتمام لمعرفة ماذا تخبأه الأقدار بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية في الثالث من نوفمبر المقبل.

وعلى مدار العقود الماضية انتهى رؤساء الولايات المتحدة إلى الحكم من منظور وسطي سواء كان هؤلاء ينتمون للحزب الجمهوري (المحافظ) أو الحزب الديمقراطي (الليبرالي)، وربما حقق بعض هؤلاء النصر باكتساح على أحد أو كلتا جناحي الكونجرس، لكن هناك انتخابات التجديد النصفي التي تتم كل عامين والتي تعُد الوقت الأمثل للناخبين من أجل إعادة تقييم الأوضاع، وهؤلاء يجبرون الرؤساء على البحث عن تسويات والحصول على إجماع عبر الإمساك بالعصا من المنتصف، الا ان هذا لم يحدث في عهد ترامب.

لكن ترامب لم يحصل على الإجماع: وقد دمّر هذا الإجماع بسبب غروره وشعوره بالأهمية، والأمور الخاصة بتيارات اليمين واليسار والوسط لا تعني شيئًا بالنسبة له، وقد شجعته أنانيته على تصور أنه إله وهي صورة شائعة بالنسبة للكثير ممن يعيشون في الشرق الأوسط، وكما سبق أن رأينا فهو يقوم بشيطنة معارضيه، وهو يحاول أن يظهر بمظهر القائد “القوي” الذي يستطيع أن يتحدّى أي شخص وكل شخص، وبهذا الأسلوب وأساليب أخرى كثيرة فهو يذكّرنا مجددًا بتاريخ الحكام الطغاة المستبدين في الشرق الأوسط.

وهل تتحول حديقة لافاييت في واشنطن إلى ميدان تحرير آخر؟، الإجابة بالطبع لا، لكن الأمر من الممكن أن يتحول إلى كابوس ولحظة لا تُنسى، والواقع أن السياج الذي بات يحيط بالبيت الأبيض يذكّرنا بجمهوريات الموز التي تعمل على حماية رموز السُلطة – محطات الراديو والتليفزيون والقصر الرئاسي، (يجب على ترامب أن يضع في الاعتبار سبب قيام أمريكا بتسمية مكان إقامة الرئيس مجرد “منزل”).

والآن، وبعد كل هذا لا يزال هناك اختلاف بين ترامب والحكام المستبدين والطغاة المشهورين والمكروهين على مستوى الشرق الأوسط. فترامب رجُل كسول وبليد ذهنيًا وأخرق، وتصرفات ترامب لتجعل الفيلسوف الألماني ماكس فيبر يشعر بالحيرة قبل قرن من الزمان كون ترامب بروتستانتي لا يملك أخلاقيات العمل، وربما يكون هذا هو الجانب المرعب في رئاسة ترامب، ولا توجد أفكار أو أيديولوجيات أو إحساس بالعدل يحرك دونالد ترامب، وربما يعتقد المرء عن اقتناع أن ترامب قد حوّل المنظومة الغير أخلاقية إلى قوة سياسية في الولايات المتحدة، عدا أنه يتمتع بالقليل من الإدراك الذي يجعله يفهم ماذا تعني الأمور، كما أنه كسول بما لا يساعده على تبنّي أية أيديولوجيا، ومسألة انحيازه خلال الرئاسة لليمين على حساب اليسار لم تأتِ بسبب رغبة ترامب في ذلك، وإنما بسبب نقاط ضعفه التي ظهرت خلال إدارته للبلاد، وكذا لأنه يملك نزعة غريزية تجعله يتجه نحو تيار اليمين المتطرف.

وبالنسبة للشرق الأوسط، فقد سلك ترامب طريقًا ثم استبدله بآخر – في سوريا والعراق وإسرائيل وفلسطين، وقد انسحب من الاتفاق النووي “الخطير” و”الفاشل” مع إيران وكان الانسحاب بشكل مثير، لكنه الآن يعرض على إيران فرصة “إبرام الصفقة الكبرى”، ووفقًا لصحيفة نيويورك تايمز فقد ألمح ترامب إلى أن باستطاعة إيران الحصول على شروط أفضل إذا ما دخلت في مفاوضات معه قبل الانتخابات الأمريكية المقرر لها نوفمبر القادم. ويجب أن يكون هناك قلق بسبب الأوضاع في المنطقة الجنوبية من الخليج العربي، والواقع ان إيران قد قامت برفض هذا العرض على أمل فوز جو بايدن بالانتخابات؛ الا انه من الصعب أن نتخيّل أي السيناريوهات سيقود إلى المزيد من الطمأنينة.

لكن هل يستطيع ترامب أن ينجو من تلك الأزمات التي واجهته خلال الصيف الحالي؟ وهل تنجو أمريكا من أن تتصدر الأحداث صفحات الرسوم الساخرة، وربما يتم حينها إعادة انتخاب ترامب. وهناك بعض الرؤساء يعملون على إصدار تشريعات لتأكيد سلطتهم اعتمادًا على كونهم غير مجبرين على خوض انتخابات قادمة، وترامب الذي قضى الأعوام الثلاثة والنصف الماضية في أوضاع “جيدة” و”لطيفة” من خلال وعوده بجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى، دون وضع تعريف محدد لمصطلح “العظمة”، لكن لم يكن هناك ولو لمحة خاطفة عن تلك الرؤى التي تحدث عنها ترامب، ومع الاعتذار للروائي الأمريكي جيرترود شتاين فإن مصطلح “هناك” غير موجود في قاموس ترامب.

والغالب أن يستمر ترامب في نظرة الأنا التي ينظرها لذاته، وربما يصبح أكثر كسلًا ويفقد الدوافع حتى من أجل التظاهرُ بأنه قائد البلاد، ومسألة ماذا يعني ترامب للأمريكيين هي محل شك. وبالنسبة لباقي بلاد العالم فإن قضاء 4 أعوام أخرى في حالة من الأفكار العشوائية والشك على المستوى الاستراتيجي الذي تعيشه القوة العظمى سيكون مسألة مرعبة، وربما تشعر آسيا بالقلق وكذلك أوربا، لكن الشرق الأوسط الذي يتصدر اهتمامات السياسة الخارجية الأمريكية، وهي المنطقة التي غمرها العنف والحروب على مدار الأعوام العشرة الماضية، عليه ان يتأمّل أوضاعه بشكل جيد.

حسين عبد الحسين هو مدير مكتب صحيفةالرايالكويتية اليومية في واشنطن، وهو زميل زائر سابقًا في معهدتشاتام هاوسلندن.