لماذا تطمح تركيا العضو في الناتو إلى شراكة مع روسيا؟

نيكولا ميكوفيتش

AFP Photo: Pavel Golovkin

وفق المنظور التاريخي، تُعتبر روسيا وتركيا خصمان لدودان في المعترك الجيوسياسي، ومع ذلك، فقد تمكنا في الآونة الأخيرة من تأسيس شراكة عمل في سوريا وليبيا وناغورنو كاراباخ ، لكن تلك الشراكة تعول بشكل كبير على علاقاتهم الحالية مع من لا تزال أكبر قوة في العالم – الولايات المتحدة.

وتُعد أنقرة وواشنطن حليفان في حلف الناتو لكنهما في تضاد حول بعض القضايا الكبيرة، مثل شراء تركيا لنظام الصواريخ الروسية إس -400 المضاد للطائرات – وهي الخطوة التي أدت إلى فرض عقوبات على تركيا العام المنصرم. ثم هناك اختلافات كبيرة بشأن السياسة الإقليمية – وبالخصوص الدعم الأمريكي لوحدات حماية الشعب التي يقودها الأكراد في سوريا، فضلاً عن رفض واشنطن تسليم رجل الدين التركي فتح الله غولن، الذي يعيش في ولاية بنسلفانيا منذ أواخر التسعينيات والذي يُعتبر وفق الحكومة التركية معارض خطير، بسبب تحريضه لمحاولة الانقلاب في عام 2016.

وبالنسبة للحكومة التركية، كل ما سلف ذكره يجعل من روسيا خيار أفضل من الولايات المتحدة كشريك استراتيجي – ويبدو أن الشعب التركي يستسيغ ذلك الخيار ايضاً. حيث كشفت دراسة استقصائية حديثة أن ما يقرب من 79 بالمائة من المتجاوبين للدراسة يفضلون أن تكون تركيا شريكًا لروسيا عوضا عن الولايات المتحدة. وعندما تم طرح السؤال “هل تعتقد أن على تركيا التعاون مع الولايات المتحدة أثناء إدارة سياستها الخارجية؟” أجاب 73 في المئة بـ “لا”.

ومن منظور الحكومة الروسية، يمكن أن يسفر قطع العلاقات الأمريكية التركية إلى زعزعة النظام العالمي القديم وتقويض وحدة الغرب. ومؤخراً، استخدمت تركيا حق النقض (الفيتو) لكبح جماح إدانة رسمية من قبل الناتو لرئيس بيلاروسيا ، ألكسندر لوكاشينكو. وبحسب ما ورد أصر المسؤولون الأتراك على أنه لا ينبغي للناتو معارضة بيلاروسيا بشكل جماعي أو المطالبة بالإفراج عن السجناء السياسيين. وإذا لم تغير تركيا هذا النهج، فسيكون عسيرً على الناتو اتخاذ موقف موحد بشأن روسيا البيضاء، الحليف الوحيد لموسكو في أوروبا.

لكن ألا يتوقع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ، الذي وصف فلاديمير بوتين ذات مرة بأنه “صديق عزيز” ، شيئًا نضير كل ذلك؟ وماذا يمكن أن يكون ذلك الشيء؟

وفي شهر أبريل الماضي، أوقفت روسيا رحلاتها الجوية إلى المطارات التركية، بحجة ارتفاع عدد حالات كوفيد Covid-19 في تركيا. والحقيقة غير ذلك؛ فقد كانت هذه الخطوة تمثل بعض الضغوط التي تمارسها موسكو على أنقرة بشأن مسألة أخرى تمامًا.

ففي حينها، كان أردوغان يستضيف رئيس أوكرانيا ، فولودومير زيلينسكي في اسطنبول، مع حضور رؤساء الدفاع لكلا البلدين لمناقشة تعزيز “شراكتهم الاستراتيجية”. ولا يخفى على أحد أن أوكرانيا تسعى لشراء الطائرات بدون طيار التركية الصنع من طراز Bayraktar والتي لعبت دورًا حاسمًا خلال نزاع ناغورنو كاراباخ بين أذربيجان وأرمينيا في فصل الخريف المنصرم، وتريد توظيفها في كفاحها المستمر ضد القوات الموالية لروسيا في منطقة دونباس شرق أوكرانيا.

ومن جانبها تنفي موسكو وجود علاقة ما بين إلغاء الرحلات الجوية من جانب وعلاقات الدفء بين أنقرة وكييف من جانب اخر. لكن الحكومة الروسية لديها سجل حافل فيما يتعلق بإيجاد طرق إبداعية لإظهار عدم رضاها.

وفي عام 2015، قامت تركيا بإسقاط طائرة مقاتلة روسية في سوريا. وردت روسيا بحظر جميع واردات الطماطم من تركيا. وحينها، اعتبر البعض ردة فعل موسكو ضعيفة للغاية. ولكن هذه الخطوة لم تؤثر فقط على المصدرين الأتراك (حيث كانت روسيا أكبر سوق تركيا لبيع للطماطم)، بل إنها دعمت الإنتاج المحلي في روسيا حيث استثمرت الحكومة في المشاتل الدفيئة ( البيوت الخضراء).

ومن المحتمل أن عقلية أردوغان المستقلة ومنهجيته في السياسة الخارجية قد رفعت من مكانة تركيا على الصعيد العالمي، لكن الاقتصاد يظل نقطة ضعفه. وفقًا للعاملين في القطاع السياحي التركي، فقد كبد حظر الطيران الروسي البلاد حوالي 500 مليون دولار في شكل خسائر تجارية – وهو وضع خطير دفع بالحكومة التركية لدعوة وفد صحي روسي لزيارة تركيا لمراجعة تدابير السلامة المعمول بها في المنتجعات التركية، كما دفعها لمواصلة تقديم الالتماس وراء الآخر لإعادة النظر في قرار الحضر.

وكما هو الحال مع حظر الطماطم، الذي استمر لمدة عامين، سيتم حل المشكلة بلا شك عاجلاً أم آجلاً، وستُتابع روسيا تعاونها مع تركيا، خاصة في مجال الطاقة. حيث تلعب روسيا دورً كبيرً في بناء محطة أكويو للطاقة النووية في مقاطعة مرسين التركية وقد أكملت بناء خط أنابيب الغاز الطبيعي ترك ستريم. والاكتشاف الأخير لرواسب الغاز الطبيعي الجديدة في البحر الأسود يعني أن أنقرة يمكن أن تصبح أقل اعتمادًا على روسيا في مجال الطاقة، ولكن في نفس الوقت من المرجح أن يؤمن مشروع اكويو Akkuyu ونظام الصواريخ S-400 وجودًا روسيًا طويل الأمد في تركيا.

لكن هذا لا يعني أن روسيا وتركيا صديقان، أو قد يكونا في المستقبل. فقد يتفقان على وقف إطلاق النار، وفرض السيطرة على عملائهم على الأرض في سوريا وليبيا ، لكن تبقى أهدافهم متعارضة تعارض تام. .

وبناءً على سلوكياته الحالية، ينوي أردوغان الاستمرار في إبقاء تركيا لاعبًا مؤثرًا في المنطقة الغنية بالنفط والطاقة. وستتأثر أي “شراكة” بين موسكو وأنقرة بتصعيدات لأي احداث محتملة تقع بين الطرفين وتلك الأحداث محتملة في أي وقت.

فقد يتصاعد الخلاف حول التنقيب عن الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط​​، إلى صراع بين اليونان وقبرص. و في ليبيا، يعتبر توقيع تركيا على معاهدة الحدود البحرية المثيرة للجدل مع حكومة الوفاق الوطني المدعومة من قبل الأمم المتحدة خطوة جريئة لتأمين حصة تركيا من احتياطاتها النفطية والغازية. وحتى احتمال حدوث المزيد من الاضطرابات في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى يعد احتمالً واردً.

ما يمكن ضمانه هو أن المزيد من استعراض العضلات من قبل روسيا وتركيا تعني أن الصراعات الجديدة والحروب والمطالبات الإقليمية أمر حتمي ولا مفر منه.

 

نيكولا ميكوفيتش محلل سياسي في صربيا. يركز عمله في الغالب على السياسات الخارجية لروسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا ، مع اهتمام خاص بالطاقة و “سياسات خطوط الأنابيب