ما السبب وراء التزام أوروبا الشديد بالاتفاق النووي الإيراني؟

فيصل اليافعي

في الشهر المقبل، قد يجد الشرق الأوسط نفسه في وضع لم يشهده من قبل، وذلك بسبب توقيع ناقص. ففي 12 مايو، سيتوجب على دونالد ترامب توقيع إعفاء يقضي بتعليق العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران لأربعة أشهر أخرى، كجزء من الاتفاق النووي الإيراني. ولطالما هاجم الرئيس ترامب هذا الاتفاق، وفي حال ما إذا رفض التوقيع على الإعفاء، قد يؤدي هذا الأمر إلى انهيار الاتفاق برمته.

إن عدم الاتفاق هذا هو بمثابة سياسة استعراض إلى حد ما، فقد سبق لترامب أن تحدّث عن نيته إنهاء الاتفاق مرتين، الأولى في بداية هذه السنة، والثانية خلال الخريف الماضي، الأمر الذي تسبب في إرباك النشاط الدبلوماسي، لكنه قام بالتوقيع في نهاية المطاف. إلا أن الظروف تبدو مختلفة هذه المرة، خاصة مع تعيين جون بولتون كمستشار للأمن القومي هذا الشهر، وهو الذي يعرف بموقفه الصارم تجاه إيران. وقد أثار احتمال انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق حرباً كلامية، حيث قال الرئيس الإيراني حسن روحاني في خطاب ألقاه الأسبوع الماضي أنه إذا انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق، فإنها “ستندم على ذلك”.

وقد يترتب عن إنهاء الاتفاق نتائج غير متوقعة في المنطقة التي تعيش بالفعل حروباً متعددة.

لكن إنهاء الاتفاق سيكون أمراً مرحباً به في الخليج على الأقل. إذ ترى بعض عواصم المنطقة أنه منذ توقيع الاتفاق النووي وتوصل إيران بعشرات المليارات من الدولارات التي كانت مجمدة سابقاً، حدث ارتفاع في الدعم الإيراني للميليشيات وبعض الحكومات، مثل حكومة بشار الأسد. كما تعتقد الدول العربية أن إيران قد قامت بإرسال صواريخ لجماعات غير حكومية، مثل الحوثيين في اليمن و”حزب الله” في لبنان. فبدلا من إعادة إيران إلى حظيرة المجتمع الدولي، يبدو أن الاتفاق قد قام فقط بمنح النظام موارد إضافية تسمح له بالتدخل في شؤون الغير.

إن إلغاء الاتفاق قد يُحدِث أيضاً شرخاً في العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا؛ فمنذ البداية، كان الأوروبيون أشد المدافعين عن الاتفاق النووي، وهذا راجع جزئياً إلى الاعتقاد بأن الاتفاق سينجح في منع إيران من الحصول على أسلحة نووية، وفي الوقت نفسه سيفتح اقتصادها للعالم. وقد عبر وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون في يناير عن هذا بقوله: “لا أعتقد أن هناك من قدّم فكرة أفضل”، وذلك في لقاء جمعه بوزراء خارجية فرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي (الذين وقعوا جميعاً على الاتفاق) في بروكسيل إلى جانب قادة إيرانيين من أجل التعبير عن دعمهم، في عرض لافت للنظر، كونه عكس وقوف الاتحاد الأوروبي في صف إيران ضد الولايات المتحدة.

لكن أحد أهم الأسباب يكمن في وجود اختلاف في وجهات النظر مع الرئيس الأمريكي الحالي حول قيمة الديبلوماسية متعددة الأطراف. حيث يبدو أن أوروبا، وخاصة باريس وبرلين وبروكسيل، تعتقد أنه في ظل وجود هذا الاتفاق واحترام الإيرانيين لبنوده (علماً أن ترامب لا يعتقد أنهم يفعلون)، يجب العمل به واحترامه، وإلا ستكون مجرد فكرة توقيع اتفاقات مماثلة موضع شك في المستقبل.

إلا أن السبب الرئيسي يكمن في العامل الاقتصادي؛ فقد استفادت الشركات الأوروبية من الاتفاق بشكل أكبر بكثير من نظيرتها الأمريكية، حيث يتم وضع أي مخاوف قد تكون لدى العواصم الأوروبية على الجانب لصالح المكاسب الاقتصادية. وفي السنة الماضية، أجرت وكالة “رويترز” تحقيقاً حول الشركات التي استفادت من الاتفاق الإيراني، حيث وجدت أنه تم توقيع أكثر من 100 عقد، بقيمة تقارب 100 مليار دولار، تشمل مجالات الطاقة والبنيات التحتية والمواد الصيدلية. وقد وقعت شركات أوروبية، ألمانية وفرنسية وإيطالية، بل وحتى روسية، أغلب هذه العقود. وتستعد بعض من أكبر الشركات الأوروبية، منها شركة السيارات الفرنسية “بيجو”، و”مرسيديس” الألمانية، و”إيرباص” صانعة الطائرات الأوروبية، لتوقيع مجموعة من العقود مع طهران.

في بالمقابل، اشتكت الشركات البريطانية والأمريكية من عدم حصولها على نصيب من الكعكة، مع تخوف أكبر شركات الطاقة الأمريكية مثل “إيكسون موبايل” من التعاقد مع إيران في ظل انتقاد واشنطن الشديد للاتفاق.

وحتى بالنسبة للأوروبيين، يوجد انطباع بأن بريطانيا والولايات المتحدة هما اللتان تقودان الحملة سياسياً، بينما تتكبد الدول الأخرى الخسائر الاقتصادية. فقبل سنة 2006، عندما بدأ فرض العقوبات على إيران للمرة الأولى، كان الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأول لإيران. وخلال العقد الموالي، خسر الاتحاد الأوروبي الكثير مع سيطرة كل من الصين والإمارات العربية المتحدة على ما يقارب ربع المعاملات التجارية الإيرانية.

أما الآن فتسود الرغبة في التعويض عما فات؛ حيث ارتفع حجم المعاملات التجارية بين إيران والاتحاد الأوروبي بـ94 بالمائة بين 2016، السنة التي تم خلالها توقيع الاتفاق، والسنة التي تلتها. فالعائدات الاقتصادية هائلة إذن، ويبدو الاتحاد الأوروبي غير راغب في التخلي عنها دون قتال. وخلال الأسبوع المقبل، سيصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى واشنطن، في وقت يشير فيه مساعدوه إلى أن إنقاذ الاتفاق النووي سيكون على رأس أولوياته.

وحتى إذا رفض ترامب المصادقة على الاتفاق، فإن أوروبا قد لا تتراجع؛ حيث قال قادة أوروبيون إنهم يفكرون في خطط احتياطية في حال تمت إعادة فرض العقوبات. ومن بين أهم هذه الخطط سيكون إيجاد طرق للحفاظ على العقود التي وقعتها الدول الأوروبية مع إيران، حتى في ظل العقوبات. وبما أن النفط الإيراني يباع باليورو، فإن الطريقة المثلى تكمن في قيام البنوك الأوروبية بتقديم تسهيلات ائتمانية بتلك العملة، وبالتالي تجنب الأسواق الأمريكية. وتكمن الطريقة الأخرى في التفاوض حول استثناءات تخص الشركات الأوروبية.

وعلى العموم، يبدو أن الأوروبيين مستعدون لصرف النظر عن أي مخاطر سياسية للحفاظ على مصالحهم الاقتصادية. فقد أصبح الإبقاء على الاتفاق النووي يشكل أولوية بالنسبة للدول الأوروبية، حتى إذا انطوى هذا الأمر على وجودهم في نفس المعسكر مع الصين وروسيا، وعزلهم للولايات المتحدة، وذلك بطريقة قد لا تثير حفيظة واشنطن أو طهران.

AFP PHOTO/ATTA KENARE