لماذا سافر رئيس الوزراء الإسرائيلي “نتنياهو” إلى سلطنة عمان؟

الين ليبسون

إن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” إلى سلطنة عمان قد استحوذت لفترة قصيرة على خيال الكثيرين وعواطفهم. فهل كانت هذه الزيارة علامة على حدوث بعض التغيير في البيئة السياسية، وهو ما قد يؤدي إلى حدوث تقدم على صعيد عدد من الأزمات المتعددة التي تعاني منها المنطقة؟، وهل يمكن لهذه الزيارة أن تكون إشارة إلى استعداد إسرائيل للتعاون مع سلطنة عُمان لتخفيف حدة التوتر مع إيران، وهو الدور الذي لعبته سلطنة عمان مع غيرها من خصوم إيران، ومنهم الولايات المتحدة الأمريكية، على مر السنين؟، وبالنظر إلى المسألة عن قرب، نجد أن هناك ما يبرر هذا التفسير المنطقي لما يحدث، ومن المفيد التدبر أكثر في دلالة هذه الزيارة في سياق السياسة الخارجية الإسرائيلية، والسياسة الخارجية العمانية، وذلك قبل تقييم تداعياتها الإقليمية الأكبر.

وبخصوص إسرائيل، فإن التواصل مع الدول العربية كان أحد أهداف سياستها الخارجية منذ فترة طويلة. وكانت معاهدتا السلام مع مصر (1979) والأردن (1994) من أهم إنجازات السياسة الخارجية الإسرائيلية، غير أن كلتا المعاهدتين لم تؤديا إلى تطبيع العلاقات بشكل أكبر مع دول المنطقة. وكانت مبادرات السلام العربية، والتي تهدف إلى معالجة القضية الفلسطينية، قد أخذت في الاعتراف تدريجياً بوجود إسرائيل، وبدون الاعتراف الدبلوماسي الرسمي، غير أن هذا الاعتراف لم يؤدي إلى تعاون سياسي بين إسرائيل والدول العربية. إن الدول العربية الكبرى، بخلاف مصر والأردن، لا تدرك ببساطة مدى أهمية أو فائدة تلك العلاقات، وتعتقد معظم تلك الدول أن الاعتراف الرسمي يجب ألا يتم إلا في سياق التنازلات الإسرائيلية للفلسطينيين.

غير أن التواصل مع إسرائيل قد حدث في أماكن عدة وبطرق مختلفة. وتأخذ العلاقة بين إسرائيل ودولتي المغرب وتونس نفس النسق، حيث سمحت الدولتان بمزاولة بعض الأنشطة السياحية والتجارية مع إسرائيل. هذا وقد دعم الزعيمان السابقان، وهما الملك “الحسن الثاني” ملك المغرب، والرئيس “حبيب بورقيبة” رئيس دولة تونس، عمليات السلام بشكل واضح. وبدا في دول الخليج مؤخرًا أن ثمة مخاوف مشتركة بين إسرائيل والعديد من دول مجلس التعاون الخليجي بشأن القضايا الأمنية، بدءًا من قضايا الإرهاب وصولاً إلى التهديد الإيراني، وهو ما أدى إلى تعاون سري بين إسرائيل ودول الخليج.

وفي كثير من الأحيان، أصبح التواصل مع إسرائيل أمرًا طبيعيًا خلال المحافل متعددة الأطراف. وكانت سلطنة عمان أول من تواصل مع إسرائيل، منذ أكثر من 20 عامًا مضت، وذلك عندما وافقت سلطنة عمان على استضافة مجموعة العمل المعنية بالموارد المائية كجزء من اتفاقيات أوسلو. وكان خبراء تحلية المياه الإسرائيليين كثيري التردد على سلطنة عمان لهذا الأمر، وتمكنوا من المساهمة بشكل كبير في هذا البرنامج البحثي. ولا يزال هذا البرنامج البحثي قيد التشغيل في مسقط، وهو البرنامج الوحيد المتبقي من مجموعات العمل متعددة الأطراف والتي بدأت عملها منذ منتصف التسعينات.

وتحافظ دولة الإمارات العربية المتحدة أيضًا على استمرار روح التعاون مع إسرائيل، بما في ذلك دعوة الوفود الإسرائيلية عندما تنظم الإمارات ملتقيات عالمية بشأن الطاقة المتجددة، على سبيل المثال، أو كما حدث مؤخرًا، في بطولة “جراند سلام” للجودو، عندما عُزف النشيد الوطني الإسرائيلي وفي حضور أحد الوزراء الإسرائيليين.

وبخصوص سلطنة عمان، وهي دولة صغيرة وفقيرة، ولكنها ذات موقع استراتيجي، فإن أكثر ما يميزها هو سياستها الخارجية المستقلة والمتحفظة. ومثل المغرب وتونس، يكون القرار الخاص بتطبيق نهج غير تقليدي على مستوى العلاقات الإقليمية من اختصاصات هرم السلطة، ومن هنا، رسم السلطان قابوس، والذي يعتلي الحكم منذ قرابة الخمسين عامًا، لنفسه ودولته دورًا متميزًا.

وكانت سلطنة عُمان مكانًا هادئًا للمساعي الدبلوماسية المتعددة، بدءًا من المباحثات الأولية بين الدول المعادية، والتدخلات الحادة لإنهاء أزمات الرهائن، وصولاً إلى أن أصحبت مكانًا موثوقًا به لتبادل الاتصالات المستمرة بين أطراف النزاعات المجمدة، وياله من سجل مشرف، فلقد مارست سلطنة عُمان دورًا حيويًا في الاتصالات التي جرت بين أمريكا وإيران، والتي أدت إلى الاتفاق النووي لعام 2015، كما أقرت الأمم المتحدة مؤخرًا بالدور الهام لسلطنة عمان في الجهود المبذولة لإنهاء الحرب الأهلية اليمنية.

ولكن من السابق لأوانه افتراض أن تقارب المصلحة بين توسع إسرائيل بطريقة رائعة إلى حد ما في علاقتها مع الدول العربية، واستعداد سلطنة عمان للمساعدة في الحد من التوترات الإقليمية، سيؤدي إلى حدوث انفراجه مع إيران. وفي غياب أي قراءات تفصيلية للاجتماعات التي تجري في مسقط، فلا يمكن سوى التكهن بالتداعيات طويلة الأجل لتلك الاجتماعات.

ومن المستبعد تمامًا أن ترقب إسرائيل حدوث تحولاً مفاجئًا في ديناميات التعامل مع إيران. فلقد بنى “نتنياهو” إستراتيجية للتضامن مع القوى العربية بناءً على إدراك مشترك للتهديد الذي تمثله إيران، وليس فقط من خلال أنشطتها النووية، ولكن من خلال وجودها الإقليمي بالكامل وطموحاتها، وترى إسرائيل في هذا تهديدًا وجوديًا لها، وذلك بالنظر إلى الوجود الإيراني الضمني في سوريا، وشراكتها مع حزب الله اللبناني.

وفي أحسن الأحوال، قد ترى إسرائيل أن سلطنة عمان ذات فائدة إذا ما أرادت إسرائيل تبادل الرسائل مع طهران. بل أن في أي بيئة تنعدم فيها الثقة بين الطرفين بصورة دائمة، نجد أن أيٍ من الطرفين أو كليهما قد يسعى إلى التواصل مع الآخر بشكل غير مباشر تجنبًا لخلط الحسابات، أو لوضع خطوط حمراء بشأن المجال الجوي السوري، على سبيل المثال. ومن المحتمل أن يكون لإسرائيل قنوات أخرى للتواصل مع طهران، بيد أن التنسيق مع العالم العربي بشأن إرسال إشارات إلى إيران قد يكون له فوائد أخرى في الظروف الراهنة، وربما تكون سلطنة عمان قد عرضت ببساطة أن تمارس دورًا، إذا رغبت في ذلك، بدلاً من الضغط على الإسرائيليين من أجل التصرف بشكل معين.

وتشير التقارير الصحفية، في واقع الأمر، إلى أن عملية السلام مع الفلسطينيين هي أساس الحوار مع سلطنة عمان. وبينما يبدو أن “نتنياهو” وقاعدته السياسية غير مكترثة لأهمية إبرام أي تسويات حقيقية، فإن جهود سلطنة عمان شاهدة على أنه لا ينبغي للمرء أن يستبعد شجاعة السلطان البارز وسجله الحافل في صنع السلام. ومن ثم فإن تحقيق أي تقدم على صعيد القضية الفلسطينية سيجعل زيارة “نتنياهو” المفاجئة إلى سلطنة عمان ذات اثار طويلة المدى.