لماذا أصبحت الأسلحة الكيميائية معتركاً في حد ذاته ضمن الحرب الإعلامية السورية؟

فيصل اليافعي

تتصدر الغوطة عناوين الأخبار مجدداً. هذا الثغر الصغير الواقع خارج دمشق كان معقلاً للثوار لسنوات وكان تحت حصار خانق ومستمر فرضه نظام الأسد منذ المراحل الأولى من الحرب الأهلية. وفي كل مرة كان يأتي فيها ذكر الغوطة، يستعر جدل حاد وشرس بين مؤيدي النظام والثوار حول الأسلحة الكيميائية، إذ إن النظام كان قد استخدمها للمرة الأولى ضد المدنيين قبل خمس سنوات هناك في الغوطة. ومنذ ذلك الوقت، لم تجر محادثة بخصوص الحرب الأهلية الدائرة في سوريا إلا ووردت فيها مسألة الأسلحة الكيميائية، ما جعل مؤيدي الأسد يشنون حملات تضليلية لعدة سنوات بهدف التشكيك في مسؤولية النظام عن تلك الهجمة.

فمن جهة، يعد التركيز على الأسلحة الكيميائية في الحرب الإعلامية الطويلة الأمد بين الطرفين أمراً منطقياً، إذ أودى هجوم أبريل 2013 بحياة المئات بأبشع طريقة ممكنة. بيد أنه كان هجوماً وحيداً في حرب ضروس حصدت عائلات وبلدات ومدناً بأكملها. ولم يحاول مؤيدو الرئيس بشار الأسد التنصل من دورهم في أعمال العنف هذه، كما أن خصوم النظام لم يطلقوا العنان لأقلامهم وحناجرهم في سعيهم إلى توجيه أصابع الاتهام. فما هو السر الكامن في الهجوم بالأسلحة الكيميائية الذي يعطي المسألة هذا القدر من الاهتمام والإثارة؟

تكمن الإجابة عن هذا السؤال في الماضي البعيد وبالجارة العراق، كما تشتمل في الآن ذاته على فلسفة سامية وسياسة ناجعة، إذ يتضح أن الأسلحة الكيميائية، أكثر من غيرها من الأعمال الوحشية، تثير الرعب حتى في الذين لم تطأ قدمهم يوما منطقة حرب، كما أن الإحساس بالرعب هو بمثابة محفز للتحرك، في وقت قد لا يكون فيه لباقي الفظاعات نفس الأثر.

في السنة التي سبقت الهجوم بالأسلحة الكيميائية في الغوطة، حذر براك أوباما نظام الأسد من أن شن هجوم بالأسلحة الكيميائية سيكون بمثابة “خط أحمر” بالنسبة للولايات المتحدة. وفي شهر سبتمبر الذي تلى ذلك، أي بعد ستة أشهر من هجوم الغوطة، وُجه له سؤال حول ما إذا كان عدم تفعيل تحذيره بخصوص الخط الأحمر قد ألحق ضرراً بمصداقيته، وهو الأمر الذي أثار حنق أوباما الذي رد قائلاً: ” أولا، أنا لم أضع خطا أحمرا، بل العالم هو الذي وضعه عندما شددت الحكومات التي تمثل 98% من ساكنة العالم على أن استخدام الأسلحة الكيميائية أمر مقيت، وصادقت على معاهدة تحظر استعمالها حتى وإن كانت الدول في حالة حرب.” وللإشارة فإن المعاهدة التي كان يقصدها أوباما هي معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية لسنة 1993 التي منعت منعاً كلياً إنتاج واستخدامها هذه الأسلحة. والواقع أنه كان على حق.

إن حظر الأسلحة الكيميائية راجع إلى الخوف المتجذر منها الذي تكون من خلال الوعي بالفظاعات المترتبة عن استخدامها في الحرب العالمية الأولى. فكل تلميذ تلقى درسا عن الحرب العالمية الأولى في الدول المتحدثة باللغة الإنجليزية، بل وحتى وخارجها، يكون ملما بقصيدة ويلفرد أوين التي تحمل عنوان” يا للحلاوة واللياقة” والتي كان موضوعها هجوم بغاز الكلور: “يراودني في كل أحلامي… إنه يندفع نحوي، يرتعش، يختنق، ويغرق”. هذا الرعب الذي يولده الهجوم بالغاز لم يكن يرد في أشعار ذلك الزمن فحسب، بل كان جزءاً من الرسائل التي يبعثها الجنود إلى عائلاتهم والمحاولات المضنية للخبراء الاستراتيجيين العسكريين من كلا الطرفين لإيجاد وسائل للحماية. فمن بين كل الفظاعات التي عرفتها تلك الحرب الوحشية والباردة والبعيدة، كان الهجوم بالغاز أكثر الأمور إثارة للخوف في النفوس.

وعلى نحو ما، اعترى الخوف بقية العالم. وربما تقدم صور أقنعة الغاز، التي تحاكي ملامح البشر بطريقة غريبة ومبالغ فيها، تفسيراً جزئياً لهذا الأمر، شأنها في ذلك شأن طريقة الموت المتمثلة في الاختناق والغرق حرفياً في الدماء.

هناك أمر آخر بالتأكيد، أمر يصعب تفسيره: الخوف مما هو غير مرئي. إن غاز الكلور المستخدم في الحرب العالمية الأولى كان أخضر اللون وكان من الممكن رؤيته، إلا أن غاز السارين الذي استُخدم في سوريا عديم اللون والرائحة، إذ لا يكون باستطاعة الضحايا معرفة ما يجري حتى يكون الأوان قد فات. وقد وقع الهجوم الأول في الغوطة في الساعات الأولى من الصباح، حيث لقى العديد من الضحايا حتفهم في مضاجعهم.

إن هذا الخوف الغريب من طريقة الموت هذه هو الذي يولد بدوره شعوراً بأن استخدام الأسلحة الكيميائية أمر “جائر”. وقد تم توجيه نفس الانتقاد خلال الحرب العالمية الأولى – انتقاد مفاجئ سواء في ذلك الوقت وفي يومنا هذا بالنظر إلى وحشية وظلم الحرب بشكل عام. ومع ذلك، فإن هذه الاعتبارات الأخلاقية ارتبطت بالأنشطة الحربية الفوضوية بشكل من الأشكال.

هذا هو الجانب الفلسفي من المسألة، أما الجانب الثاني فهو سياسي. فالنفور من استخدام الأسلحة الكيميائية هو بمثابة حافز، وفي حرب استمرت لمدة طويلة وترتب عنها الكثير من الصور والتجارب المروعة، يبدو أن هذا النفور هو الشيء الوحيد الذي قد يجبر العالم على اتخاذ إجراءات فعلية.

فمن غير الممكن الحديث عن الضغوط التي تبرز بين الفينة والأخرى بشأن التدخل ضد نظام الأسد، دون الحديث عن العراق. فقد غير غزو العراق سنة 2003 معالم الشرق الأوسط بصورة جذرية، لكنه غير أيضا التصور السياسي في مختلف أرجاء العالم. فجميع المثل العليا والأكاذيب الواضحة بخصوص التدخل قد اندثرت في مدن البلاد الغارقة في الدماء.

فبعد العراق، بات من المستحيل دعم الفكرة القائلة بأن أي تدخل سيكون سهلاً أو سريعاً أو غير مؤلم. هذا الأمر قد غير نظرة الشعوب الغربية للخطابات المثيرة للخوف ضد عدو بعيد عن الديار. ففي أواخر سنة 2011، حين بدأت الثورة السورية تتحول إلى حرب أهلية وحشية وبدأت أصوات تنادي بالتدخل، قاومت الشعوب الغربية، وبعض السياسيين الغربيين مثل أوباما، هذا الأمر خشية الوقوع في مستنقع آخر. ومهما ترتب عن هذه الحرب من فظاعات، فإن الرأي العام لا يبدو أنه شهد أي تحول.

ولم يتغير مجرى النقاش إلا بعد وقوع هجوم الغوطة سنة 2013، حيث بدأ قرع الطبول إعلاناً عن بدء عمليات عسكرية، طبول لم تهدأ إلا عندما وافق نظام الأسد على التخلي عن مخزونه من الأسلحة الكيميائية.

ويبقى هجوم 2013 الحدث الذي كان من الممكن أن يؤدي إلى تدخل غربي، ولأنه جاء نتيجة للهجوم بالأسلحة الكيميائية، استحضر خصوم نظام الأسد هذه المسألة غير ما مرة، إذ يبدو أنها الشيء الوحيد القادر على تحفيز الشعوب الغربية المتعبة من الحرب.

وبالطبع لا يجب أن تعطى لطبيعة الهجوم أهمية دون شك، ففي الوقت الذي استخدم فيه الأسد غاز السارين في 2013، كان ما يقارب 100 ألف سوري قد لقوا مصرعهم بأبشع الطرق، إما أصبحوا أشلاء بعد أن تعرضوا لهجمات بالقنابل، أو قتلوا بواسطة أسلحة رشاشة، أو دفنوا تحت الأنقاض، أو ماتوا جوعا تحت الحصار، أو شنقوا في زنزانات مظلمة. فهل للطريقة التي قضى بها السوريون نحبهم أهمية؟ ومع ذلك، فإن النفور من الأسلحة الكيميائية حقيقي وله محفزاته الخاصة.

لهذا السبب لا يزال الجدل مستعراً بعد مرور نصف عقد على الواقعة، ولهذا السبب يصمم مؤيدو نظام الأسد على نشر الأكاذيب القائلة بأنه لم يتم استعمال غاز السارين. فهم يأملون في تجنب سياط الانتقادات، لعزف لحن آخر حول العنف في الحرب في حال عادت الطبول للقرع إيذاناً بقرب التدخل.

AFP PHOTO / KHALIL MAZRAAWI