لماذا يفضل الأسد الوضع الروسي الإيراني القائم في سوريا

حسين عبد الحسين

عندما صرح وزير الخارجية الروسي “سيرغي لافروف” قائلاً “يتعين على جميع القوات الأجنبية مغادرة سوريا”، جاء الرد في مقالة افتتاحية لإحدى الصحف الإيرانية، حيث أشارت إلى أنه “وفقًا لموسكو، يجب على جميع القوات الأجنبية مغادرة سوريا، باستثناء القوات الروسية”. ظلت وسائل الإعلام الروسية والإيرانية منذ فترة وحتى الآن يتبادلان اللكمات فيما بينهما، وهذا يدل على أن الفجوة بين الحليفين آخذة في التنامي بسبب سوريا، وهي الحقيقة التي تمنح الرئيس السوري بشار الأسد بعض الوقت للمراوغة بعيدًا عن سيطرة إعلام الدولتين، غير أنه قد يضطر إلى اختيار أحدهما وهو الأمر الذي حاول الأسد تجنبه.

بخلاف منع الأسد من السقوط، اتفقت موسكو وطهران على تفاصيل أخرى بسيطة، ولكل منهما وجهة نظر مختلفة بشأن النظام العالمي. على مدار فترة كبيرة من القرن الماضي، كانت روسيا قوة عالمية أخرى، وتستفيد من امتيازات النظام الدولي والذي كان لروسيا دور في إنشائه بعد الحرب العالمية الثانية، ومن تلك الامتيازات حق الفيتو الذي تمارسه موسكو في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ورغم ذلك، ومنذ أن سقط الاتحاد السوفيتي، تهاوت قوة روسيا بشكل كبير، وانخفض اقتصادها من ثاني أكبر اقتصاد في العالم إلى المركز الحادي عشر، وانكمش تعداد السكان في البلاد، وتراجع ترتيب جامعاتها من حيث عدد براءات الاختراع السنوية والإشادة في الصحف والمجلات.

ظلت روسيا قوة نووية فضلاً عن قوتها العسكرية الضخمة، غير أن جيشها لا يضاهي بأي حال من الأحوال القوة العسكرية المخيفة للولايات المتحدة الأمريكية. فعلى سبيل المثال، تمتلك الولايات إحدى عشرة حاملة طائرات على أحدث طراز، بينما تمتلك روسيا حاملة طائرات واحدة وهي “الأميرال كوزنستوف” والتي تمضي أوقات في أحواض الإصلاح أكثر من بقائها في الماء.

ورغم ذلك، يعتقد الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” أن بإمكانه تعويض الوهن الاقتصادي والعسكري للبلاد بفطنته والدعاية. وكجزء من خططه لمناورة الغرب للمحافظة على وضع روسيا كقوة عالمية أخرى، شارك “بوتين” في معارك صغيرة يرى من خلاها أنه بإمكانه استعراض قوته كالتدخل العسكري في “جورجيا” و”أوكرانيا”، أو تحقيق مكاسب كما فعل مع سوريا وإيران، والتي من خلالها يستطيع “بوتين” الحصول على تنازلات من الغرب.

وخلافًا لروسيا، تأسست الجمهورية الإسلامية الإيرانية في عام 1979 على أساس أن النظام العالمي تم إنشاؤه بهذا الأسلوب المتحيز الذي خطف الحضارة الإيرانية العظمى من مكانتها الرائدة دوليًا. وخلافًا أيضًا لروسيا والتي لها مصالح في المحافظة على النظام العالمي وتطويعه وفقًا لمصالحها، لا يمكن لإيران أن تشكل نظامًا بديلاً يمنحها دورًا أكبر. وبالنظر إلى خطب المرشد الأعلى الإيراني “على خامنئي” والتي طالب فيها إنشاء “الاقتصاد المقاوم”، تعتقد إيران – فضلاً عن حلفائها العراق وسوريا، وفي لبنان واليمن – أنه بإمكانها إنشاء “الخليج الفارسي الأكبر” لإضافته إلى العبارات التي يستخدمها وزير خارجيتها السيد/ جواد ظريف.

كان اندلاع الحرب السورية في العام 2011 بمثابة الفرصة لكلٍ من موسكو وطهران لاستعراض زعامتهم العالمية وفقًا لتصوراتهما، إذ أراد “بوتين” إعادة سوريا إلى مكانتها كحليف منذ سنوات الحرب الباردة، وترغب إيران في الدفاع عن حليفها الدائم، وهو الأسد، وربما ضمه فيما بعد إلى “الهلال الشيعي”.

كانت أول مشاركة لإيران في الحرب ممثلة في المستشارين العسكريين، تلاها كتائب الميليشيات الشيعية من جميع أنحاء المنطقة، فهناك حزب الله من لبنان، وعدد قليل من الميليشيات من العراق، ومحاربين شيعة من أفغانستان. ومع ذلك، ورغم الجهود القصوى التي تبذلها إيران، لم تستطع إيران كبح جماح المعارضين لحكم الأسد، ومن ثم ذهبت طهران إلى موسكو طلبًا للمساعدة. لقد نجحت روسيا وإيران معًا في الإبقاء على الأسد، بل ومساعدته في إعادة السيطرة على أكثر من نصف إلى ثلثي البلاد.

ورغم أن القوة العسكرية لروسيا وإيران تأخذ نفس الاتجاه، فهذا لا يعني أنهما يتطلعان إلى الأهداف نفسها. فهناك معارك رفضت فيها روسيا توفير غطاء جوي مما أدى إلى وقوع عدد كبير من القتلى بين الميليشيات الموالية لإيران.

يريد “بوتين” من جميع الميليشيات الموالية لإيران مغادرة سوريا، وأعلن عن “انتهاء المهمة”، ويرى أن على موسكو الآن حصد مكاسبها من خلال عملية سياسية ثلاثية الأبعاد والتي تضم اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين. ومن المحتمل أيضًا أن يأمل “بوتين” في الفوز بالاعتراف الدولي بسيطرته على أوكرانيا الواقعة في شبه جزيرة القرم، وربما ذلك مقابل بعض التنازلات في سوريا ومنها خلع الأسد من منصبه.

غير أن إيران تنظر إلى الأمور بوجهة نظر مختلفة، حيث أن حربها في سوريا تكون جزءًا من جهود طويلة الأمد لإنشاء “محور المقاومة” والمحافظة عليه، وترغب إيران في استنساخ حزب الله في سوريا وإمداده بالبنية التحتية العسكرية المتطورة والتي من خلالها يستطيع حزب الله تهديد إسرائيل، ومن ثم ابتزاز العواصم الغربية.

إذا استمرت روسيا وطهران في الدفع في اتجاهات مختلفة، فسيضطر الأسد إلى المفاضلة بينهما، فإذا اختار الأسد إيران، فسيبقي على المقاتلين الشيعة الذين أصبحوا أداة فعالة لضمان نجاة الأسد، بالرغم من بقاء المقاتلين الشيعة تحت سيطرة إيران، غير أنه سيخسر حق الفيتو الروسي لدى الأمم المتحدة، فضلاً عن الإمدادات الروسية من المعدات العسكرية، وإذا اختار روسيا، فسيحافظ على حماية موسكو له أمام الأمم المتحدة، غير أنه قد يكون غير قادر على الاعتماد على نفسه منذ تعرض قواته العسكرية للهزيمة.

قد يكون الوضع الحالي بالشكل الذي عليه أفضل رهان للأسد، وربما يظل كذلك حتى تتغير الأمور في المستقبل. ورغم ذلك، إذا حاول أي من رعاة الأسد تنفيذ أجندته المضادة المتمثلة في تسوية روسية نظير نصر عسكري لإيران – فبالتأكيد، سيجد الأسد نفسه في موقف غير مستقر.

STRINGER / AFP / SANA