أربعون عامًا من الغموض تلقي بظلالها على السياسات الحديثة في لبنان

فيصل اليافعي

لا تتصدر عادة القمة العربية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتي تشكل جزءًا من جامعة الدول العربية، العناوين الرئيسية للصحف. ورغم أنه من المقرر لهذه القمة أن تنعقد في لبنان، إلا أن الأحداث التي وقعت منذ أكثر من أربعة عقود مضت مازالت تلقي بظلالها على تلك القمة.

ويشهد المجتمع اللبناني حالة اضطراب، فلا وجود للحكومة منذ الانتخابات التي جرت في شهر مايو. وعلى مدار أشهر، عكرت التظاهرات والاحتجاجات صفو البلاد بسبب الاستياء من عدم إحراز أي تقدم سياسي، والركود الاقتصادي الذي انعكست تداعياته على الوضع في الشارع اللبناني. وفي يوم الأحد الموافق “20 يناير”، وهو نفس اليوم الذي انعقدت فيه القمة العربية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، انطلق الآلاف إلى الشوارع مطالبين بالتغيير.

وفي خضم تلك الأحداث الجمة، من غير الطبيعي أن يكون غياب رجال الدين الإيرانيين واللبنانيين عن قمة 1978 يلقي بظلاله على تلك القمة، ويدفع بالوفد الليبي إلى إلغاء حضوره. غير أن غياب الإمام موسى الصدر كان بدافع سياسي خفي. إنه حدث تاريخي ومازال يرتبط بالواقع الذي يعيشه الشرق الأوسط. ومازالت أشباح الماضي في لبنان، كما في أماكن أخرى في المنطقة، تؤثر على الحياة فيها.

وكان موسى الصدر زعيم ديني شيعي وله إسهامات عظيمة في السياسات اللبنانية. وخلال الفترة المحمومة التي شهدتها لبنان في سبعينات القرن الماضي، وجد موسى الصدر طريقه لإصلاح النظام السياسي في لبنان، ومنح المجتمع الشيعي المزيد من التعهدات. وازداد هذا الطريق رسوخًا لدى أحد الأحزاب السياسة في لبنان وهو حركة “أمل”، والذي يعتبر حاليًا أكبر حزب سياسي شيعي داخل البرلمان اللبناني، وبعدها أخذت أهمية تلك الطريقة في التنامي بعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان في العام 1975.

وفي العام 1978، وخلال زيارة قصيرة إلى ليبيا بناء على دعوة من معمر القذافي، اختفى موسى الصدر واثنان من مرافقيه. وأنكرت الحكومة الليبية مسؤوليتها عن اختفائهم، ومازال الغموض يكتنف هذا الأمر حتى الآن.

ورغم مرور مدة طويلة على نشوب هذا التوتر بسبب اختفاء الصدر ومرافقيه، إلا أنه ظهر على الساحة مرة أخرى الأسبوع الماضي وذلك بعدما قال نبيه بري، أبرز سياسي شيعي في لبنان ورئيس حركة أمل، بأنه من الواجب ألا تشارك ليبيا في القمة، بينما حذر أعضاء آخرون بالحزب من أن الوفد الليبي يحظر عليه الدخول إلى البلاد عبر المطار. وبعد اندلاع احتجاجات بسيطة في كلتا الدولتين، أكد وزير الخارجية الليبي بأن بلاده لن ترسل وفدًا لحضور القمة.

ولأن الصدر مازال يشكل تلك القوة الدافعة في عقول اللبنانيين، فهذا إثبات لحقيقة أن اختفاء الصدر لم يكن مجرد اختفاء لشخصية سياسية وفكرية بارزة فحسب، بل جاء اختفائه في الوقت الذي يبرز فيه الإسلام الشيعي كقوة سياسية ودينية.

وفي سبعينات القرن الماضي في لبنان، حث الصدر المجتمع اللبناني والذي كان مهمشًا قبل ذلك على اتخاذ موقف سياسي موحد.

وفي إيران، أخذت المقاومة الشعبية لشاة إيران بعدًا دينيًا مميزًا. وعلى مدار العام 1978، وهو العام الذي اختفى فيه “موسى الصدر”، اجتاحت التظاهرات والاضطرابات أرجاء إيران، ولم تمضي سوى أشهر قليلة حتى كانت نهاية الحكم الملكي في إيران وبداية الثورة الإسلامية الإيرانية.

وفي ظل تلك الأحداث، كان اختفاء شخص ما على علاقة وثيقة بإيران والمجتمع الشيعي في لبنان أشبه بمحاولة للحد من نفوذهما، والتخلص من شخصية يتفق عليها الجميع وفي وقت كان وجوده أمرًا ضروريًا.

وما حدث في سبعينات القرن الماضي هو زيادة الوعي السياسي لدى الشيعة، بدلاً من كونهم مجرد قوة دينية، ومجيء الثورة الإيرانية لتدعم الحكومة في ترويجها لتلك الأفكار، وتسوية الصراع بين العراق وإيران، وبين إيران التوسعية والمملكة العربية السعودية، وهو الأمر الذي مازال قائمًا حتى يومنا هذا.

ولهذا ظل الصدر في أذهان الشيعة اللبنانيين على مدار عقود باعتباره شخصية سياسية ودينية كان في استطاعتها تحقيق تغيير حقيقي ودائم، كما أن أمر اختطافه مازال أيضًا يؤثر حتى وقت قريب على المجتمع الشيعي.

ومازالت معرفة المسؤول عن اختفاء “موسى الصدر” تؤرق مضاجع المجتمع الشيعي على مدار عدة عقود.

إن الاعتقاد بأن القذافي مسؤولٌ عن اختفاء “موسى الصدر” مازال أمرًا مطروحًا حتى الآن، ولكن في حقيقة الأمر، هناك العديد من الفصائل التي قد يكون لها أسباب تدفعها الى إخفاء “الصدر”، ومنها تنامي قوته في المجتمع الشيعي وهو ما أقلق العديد من الزعماء اللبنانيين البارزين، ومناصبة العداء لمنظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات، وربما قد تكون القيادة السورية ذات النفوذ الكبير في أرجاء لبنان أيضًا كارهة لبزوغ نجم “موسى الصدر”، بل أن البعض يشير بأصابع الاتهام إلى روح الله الخميني والذي عاش بعد ذلك في منفاه في العراق.

ولكن القصة لم تنتهي بعد. فبعد سقوط نظام القذافي في العام 2011، انتهى المطاف بأحد أبنائه وهو “هانبيال”، والذي كان يمارس أدوارًا بسيطة في الحكومة الليبية، إلى دمشق، ومنها تم استدراجه إلى لبنان في العام 2015، على يد حركة “أمل” حسبما يعتقد الكثيرون، وهناك تم زجه في السجن وإجباره على إعداد فيديو مصور، وفيه يطلب “هانيبال” من أي شخص لديه معلومات عن اختفاء الصدر أن يدلي بها.

وبعدها حررته الشرطة اللبنانية من الأسر، لتعتقله بعدها على ذمة تلك القضية. والآن يقضي “هانيبال” حياته في أحد سجون “بيروت”، ربما في انتظارٍ لمحاكمته، والأكثر احتمالاً ليكون ورقة مساومة مع عائلة القذافي.

وتلقي قصة “الصدر” الضوء على مدى تشابك التاريخ الحديث للشرق الأوسط. فالأحداث التي قد تبدو منذ زمن طويل مازالت هامة ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن العديد من الشخصيات المرتبطة بتلك الأحداث مازالوا أحياء، غير أن السبب الرئيسي هو أن تلك الأحداث مازالت تؤثر على الحياة السياسية اليومية. وكان الصدر مركز بزوغ النفوذ السياسي الشيعي في لبنان وإيران. غير أن هذا النفوذ لم يزداد قوة إلا خلال العقود المنصرمة، وكان ذلك جليًا من خلال السياسات الداخلية في لبنان، والحرب في سوريا، والصراعات في العراق، والتوترات بين إيران ودول الخليج.

الا إن ما حدث لموسى الصدر أصبح ذكرى من الماضي.

AFP PHOTO/STR