مهما يكن الفائز بالانتخابات الإسرائيلية فإن الديمقراطية الإسرائيلية ستكون الخاسر

دنيانيش كامات

AFP Photo: Menahem Kahana

سوف تتسبب الانتخابات الإسرائيلية الرابعة خلال عامين؛ والمقرر لها الثالث والعشربن من مارس في ضرر هائل للديمقراطية الإسرائيلية، وهناك أربعة أسباب وراء هذا الأمر؛ اثنان منهما وقعا بالفعل والسببين الآخرين من المرجح أن يحدثا عقب الانتخابات، والسياق الذي تدور فيه تلك الأحداث يتعلّق بمواجهة بنيامين نتنياهو لمحاكمة وشيكة بتهمة الفساد وأنه بات يصارع لإنقاذ مستقبله السياسي.

أولًا؛ وفي سبيل الحصول على الأغلبية أقدم نتنياهو على ما كان في السابق يعد مستحيلًا في عالم السياسة الإسرائيلية، فقد استبق الانتخابات بالدخول في تحالف مع أحزاب محسوبة على اليمين المتطرف لا تخجل من تبنّي آراء متطرفة بشكل علني، وأحد تلك الأحزاب وهو حزب عوتسما يهوديت (القوة اليهودية) يتزعمه إيتمار بن جفير المتهم بتصعيد خطاب الهجوم على اتفاقات أوسلو، ويستمد حزب عوتسما يهوديت الأيديولوجية الخاصة به من مائير كاهانا المتطرف المُعادي للعرب ومؤسس حزب كاخ المحظور في إسرائيل؛ والذي أعلنت الولايات المتحدة وصفه كمنظمة إرهابية، ولو باتت استطلاعات الرأي خلال ما قبل الانتخابات تتمتّع بالمصداقية؛ فإن تحالف حزب الليكود بزعامة نتنياهو مع الاحزاب الدينية وتلك التابعة لليمين المتطرف من المرجح أن يوفر لنتنياهو 49 مقعدًا في البرلمان، مما سيجعله حينها في حاجة إلى 11 مقعدًا كي يحصل على الأغلبية.

والواقع أن تبعات تحالف نتنياهو مع اليمين المتطرف ستتخطّى مجرد توفير الحضور لهذا اليمين المتطرف في مجال الانتخابات السياسية، وللمرة الأولى يمكن لمجلس الوزراء الإسرائيلي أن يضم أشخاصًا كانوا يدعون إلى طرد العرب بشكل جماعي من إسرائيل، وأية وعود سياسية لما بعد الانتخابات ربما يكون نتنياهو قد أعطاها لليمين المتطرف ستأخذ إسرائيل إلى مسار يُضعِف الديمقراطية ولا يقويها.

وثانيًا، فقد نجح نتنياهو في القيام بمناورات بارعة لإحداث انقسام بين “القائمة العربية المشتركة” وهو تحالف يضم أحزابًا عربية إسرائيلية، وبين “القائمة العربية الموحدة” وهو حزب إسلامي معروف باسمه العبري “رعام” والذي أعلن بشكل علني عدم تأييده لنتنياهو، ومن المتوقع لهذا التحالف ألا يتخطّى عتبة 3.25% من المقاعد وهي النسبة المطلوبة لدخول الكنيست، أما الأحزاب العربية الثلاثة الأخرى “حداش” و”تعال” و”بلد” فمن المرجح أن تحصل على مقاعد أقل في الانتخابات القادمة، وهذا الانقسام في التحالف العربي الإسرائيلي سيؤدي إلى خفض نسبة الأصوات التي سيحصل عليها عرب إسرائيل بشكل كبير، وسوف يؤدي هذا الأمر في بعض المناطق – خاصة منطقة النقب – لإجبار عرب إسرائيل على إعطاء أصواتهم لحزب الليكود، حيث سيفضّلون إعطاء أصواتهم للحزب الذي يتمتع بالأهمية، وهذا الأمر سيوفر لنتنياهو مقعدين أو ثلاثة مقاعد إضافيين.

والحيلة الماكرة التي لجأ إليها نتنياهو من أجل بث الانقسام بين الأحزاب العربية ستجعل تلك الأحزاب تفشل سياسيًا، علاوة على ذلك؛ من المرجح أن تكون هناك نسبة مشاركة منخفضة بين عرب إسرائيل الذين يمثلون 20% من عدد سكان إسرائيل، وبخلاف تخصيص القليل من المال لمكافحة الجريمة وأزمة الإسكان في المناطق التي تقطنها أغلبية عربية، فمن غير المرجح أن يقوم نتنياهو بأية خطوات من أجل توفير المواطنة الكاملة لعرب إسرائيل، ومع تأييد نتنياهو لقانون “الدولة القومية” المثير للجدل الذي أقرّه الكنيست؛ ومع ضم اليمين المتطرف إلى حكومة نتنياهو؛ فإن الرجل سيتراجع بشكل تدريجي عن توفير المواطنة بشكل عادل لعرب إسرائيل.

ثم أن هناك مجموعة من الأحزاب السياسية تتبنى مبدأ يشهد تطورًا مؤداه “أي شخص إلا نتنياهو”، وبينما لا يوجد حتى الآن تحالفًا يضم تلك الأحزاب قبل الانتخابات؛ ربما ينتهي الامر بتلك الأحزاب إلى تشكيل تحالف بغرض منع نتنياهو من تولّي الحكم، وتلك الهوة بين برامج الأحزاب السياسية ستجعل تلك الأحزاب تنهار قريبًا بسبب الشقاق فيما بينها، وعلى سبيل المثال؛ وعلى الرغم من تبنّيهما لمبدأ العلمانية في الظاهر؛ فإن حزبيّ إسرائيل بيتنا بزعامة أفيجدور ليبرمان و”يش عتيد” بزعامة يائير لابيد يشهدان تناقُضًا واضحًا فيما يتعلّق بقضايا الأمن القومي وسياسة التعامل مع الفلسطينيين، والأمر ذاته ينطبق على الحزبين الآخرين في معسكر “أي شخص إلا نتنياهو” وهما حزب “يمينا” بزعامة نفتالي بينيت وحزب الأمل الجديد بزعامة جدعون ساعر، وإنه لأمر شبه مستحيل أن نرى تلك الأطراف التابعة لليمين المتطرف تدخل في تحالف مع حزب العمل المحسوب على تيار يسار الوسط أو حزب ميرتس المحسوب على تيار اليسار.

وأحزاب المعارضة الإسرائيلية لن تقدم خدمة للديمقراطية الإسرائيلية حال نجاحها في الإطاحة بنتنياهو خلال الانتخابات القادمة، ولم تنجح تلك الأحزاب في تقديم رؤية مشتركة خاصة بالحكم للناخبين سوى الهدف قصير الأجل والمتعلق بالإطاحة بنتنياهو، وفيما يخص شؤون الحكم من المتوقّع أن تسود الخلافات فيما بينهم مما سيؤدي بالتبعية إلى حالة من الشلل السياسي، ومن الممكن أن تشهد إسرائيل الانتخابات الخامسة التي تجرى في غضون ثلاث سنوات، وستبقى هناك أسئلة جوهرية بدون إجابات تتعلّق بالاقتصاد الإسرائيلي والسياسة الخارجية والعلاقات مع الفلسطينيين، وسوف يشكّل هذا الوضع أرضًا خصبة لعودة نتنياهو، أو حتى من المحتمل أن يؤدي في المستقبل إلى ظهور شخص قوي شعبوي يعمل ضد الديمقراطية.

وأخيرًا، إذا ما نجح نتنياهو في تولّي منصب رئيس الوزراء مجددًا فإنه سيستخدم جميع الوسائل الممكنة لإنهاء المحاكمات التي تنتظره بتهم الفساد، وسيفعل ذلك عبر تعيين الأشخاص الموالين له بدعوى ضمان نزاهة المؤسسات، أو أنه سيعمل على تمرير قانون داخل البرلمان يرمي إلى تحصينه، وقد حاول نتنياهو تمرير مثل هذا القانون خلال العام الماضي وربما يكرر المحاولة مرة أخرى، ومع زوال المؤسسات الإسرائيلية التي تتمتع بالاستقلالية لن تغدو إسرائيل أكثر من ديمقراطية انتخابية، حيث ستكون الانتخابات المعتادة مجرد قشرة ضعيفة تخفي وراءها حالة من الديمقراطية المعيبة التي لا يمكن إصلاحها.

ومكانة إسرائيل باعتبارها ديمقراطية مكتملة الأركان دائما ما كانت محل شك، خاصة بسبب تعاملها مع الفلسطينيين، وخلال السنوات الأخيرة فإن تعامُل إسرائيل مع مواطنيها من العرب وذوي البشرة السمراء والمهاجرين واللاجئين جعل الشكوك تزداد حول حقيقة الديمقراطية الإسرائيلية، ويمكن للانتخابات المقرر لها نهاية هذا الشهر أن تعمل على التعجيل بزوال الديمقراطية الإسرائيلية.

 

يعمل دنيانيش كامات كمحلل سياسي ، وهو متخصص في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا ، كما يقدم استشارات للحكومات حول السياسات والمبادرات الاستراتيجية ، وتطوير الصناعات الإبداعية مثل الإعلام والترفيه والثقافة.