التساؤل حول من يقف وراء موجة الاغتيالات في الأراضي السورية التابعة للثوار والأسباب الكامنة وراءها غير صائب في الظرف الراهن

حايد حايد

في بلد يسوده الاقتتال، أصبح الموت المعيار المأساوي الوحيد لقياس الهيمنة الميدانية. وحتى إذا أخذنا بعين الاعتبار ما عانته سوريا من ويلات الحرب الأهلية طيلة السنوات السبع الماضية، فإن موجة الاغتيالات التي شهدتها البلاد في الآونة الآخرة لم يسبق لها مثيل. وإذا كانت الاغتيالات أمراً اعتيادياً في سوريا، فإن حدتها وتوقيتها والتنسيق الذي تتسم به هذه المرة يجعلها خارجة عن المألوف. وبالتالي، يبدو أن شيئاً ما يحدث، وهذا يستدعي التحرك. بيد أن المظاهر قد تكون خادعة أحياناً، ما يستوجب تحليلاً أعمق للوضع الحالي من أجل وضع استراتيجية مناسبة حتى لا يستفيد طرف غير مرغوب فيه من الحقائق على الميدان.

هذه الحقائق هي كالآتي: في 26 أبريل، بدأت حملة اغتيالات غير مسبوقة بإدلب في ريف حلب الغربي وشمال غرب حماة. فعلى مدى يومين، قُتل ما لا يقل عن عشرين مقاتلاً وقائداً عسكرياً من “هيئة تحرير الشام” (وهي فرع تنظيم “القاعدة” في سوريا) و”جبهة تحرير سوريا” و”الجيش السوري الحر”، إضافة إلى تسعة مدنيين على الأقل. وقد نفذ الجناة، الذين لم تحدد هويتهم حتى الآن، معظم الهجمات عن طريق نصب الكمائن، في حين أن بقية الهجمات قد نفذت باستخدام عبوات ناسفة.

لكن المثير للاهتمام هو أن الاغتيالات انطلقت عقب الإعلان عن وقف إطلاق النار بين “هيئة تحرير الشام” و”جبهة تحرير سوريا” في الشمال الغربي للبلاد، وهو ما أثار التكهنات بأن الاغتيالات كانت محاولة من طرفٍ ثالث لإشعال المواجهات بين الجماعتين. وحسب هذه النظرية، يكمن “الدليل” في أن الحملة بدأت بمقتل أحدة قادة “هيئة تحرير الشام” المحليين وحارسه الشخصي. وبينما لم ترد “هيئة تحرير الشام” و”جبهة تحرير سوريا” بشكل رسمي على الاغتيالات، فإن حرب الاتهامات قد استعرت بين أنصار الجماعتين على وسائل التواصل الاجتماعي.

غير أن المشكل يكمن في أن معظم الاغتيالات التي تجاوزت 25 اغتيالاً لم تستهدف الجماعتين بشكل خاص، حيث اقتصر عدد القتلى على اثنين من كل جانب. هذا الأمر يعني أن الاغتيالات لم تنفذ لحمل الطرفين على العودة إلى الاقتتال.

ولم تظهر حتى هذه اللحظة أي نظريات لتوضيح الأسباب وراء الاغتيالات. لكن هل تقودنا معرفة مرتكبيها إلى التعرف على الأسباب وراءها؟

لقد أخبرتنا العديد من مصادرنا الخاصة أن اللوم يقع على خلايا نائمة تابعة لتنظيم “داعش”. وقد تزايدت هذه الشكوك بعد إعلان “هيئة تحرير الشام” عن القبض على عضو في “خلية اغتيالات” اعترف بموالاته لتنظيم “داعش”. كما أن الموقع الإخباري الموالي للمعارضة والمسمى “نداء سوريا” قد ربط الاغتيالات بالحملة التي قادها الثوار في فبراير لطرد “داعش” من آخر المناطق الخاضعة لسيطرته في الشمال الغربي، والتي أدت إلى اعتقال ما يقارب 300 مقاتل من التنظيم. منذ ذلك الحين وبعض فصائل الثوار التي شاركت في العملية تتوصل بتهديدات الخلايا التابعة لتنظيم “داعش”، في محاولة من هذه الأخيرة للضغط عليها لإطلاق سراح السجناء التابعين للتنظيم. علاوة على ذلك، ربط موقع “نداء سوريا” توقيت الهجمات بإطلاق سراح العشرات من مقاتلي “داعش” المعتقلين من طرف “هيئة تحرير الشام”.

بالمقابل، تقول مصادر أخرى إن خلايا نائمة موالية للنظام السوري قد نفذت الاغتيالات قصد زعزعة استقرار المنطقة الخاضعة للثوار.

أما المشكل الآخر فيكمن في أن إلقاء اللوم على نظام الأسد أو تنظيم “داعش”، أو كليهما، بشأن أي أمر كان، قد أصبح رد فعل تلقائي. وهذا راجع جزئياً إلى أن كلا من النظام و”داعش” قد قام سراً باستهداف أعدائهما من أجل التخلص منهم. لكن يظل اللجوء إلى إلقاء اللوم تلقائياً على العدو أمراً سهلاً يعكس نوعاً من الكسل ويفتقد إلى الصرامة التحليلية، حيث إن افتراض قيام طرف واحد بتنفيذ جميع الهجمات يبدو أسهل من اللازم، فماذا لو لم يكن الأمر كذلك؟

بغض النظر عن كون جميع هذه الهجمات قد تمت في نفس الوقت تقريباً، لا يوجد أي دليل على أن نفس الجماعة أو نفس الأشخاص قد نفذوها أو أمروا بتنفيذها. ورغم أنه يمكن الاتفاق على أن التوقيت قد يشير إلى وجود نوع من التنسيق، فمن الممكن أيضاً أن جماعات مختلفة وجدت فرصاً سانحة متشابهة في الوقت ذاته.

وفي الواقع، تشير حوادث سابقة أن نسبة الاغتيالات ترتفع بشكل ملحوظ عندما يتوقف القتال. وبتعبير آخر، فإن السلام يوفر ظروفاً أفضل للقيام باغتيالات مقارنة بأزمنة القتال المكثف. وغالباً ما تعرف نهاية القتال انخفاضاً في عدد نقاط العبور، ويميل الأشخاص إلى التخلي عن حذرهم، حيث تعتبر مثل هذه الأوقات ملائمة لتنفيذ الاغتيالات.

كما أن اختلاف الشخصيات المستهدفة التي تضمنت أصحاب شركات وأشخاصاً نازحين ومحليين وناشطين ومقاتلين من مختلف الفصائل يشير بقوة إلى أن اختيار الأهداف قد تم بناء على أسباب مختلفة. ويمكن أن تكون دوافع هذه الهجمات هي السرقة والخلافات الشخصية والانقسامات الداخلية بين أعضاء الجماعات، إلى غير ذلك من الأسباب.

لكن نتائج هذه الاغتيالات قد تكون أكثر أهمية بكثير من معرفة الطرف المسؤول عن تنفيذها، حيث تسود مخاوف حقيقية من إمكانية قيام “هيئة تحرير الشام” باستغلال الهلع الذي تلى هذه الاغتيالات من أجل زيادة سيطرتها أو حتى شعبيتها. كما يمكن أن تدفع هذه الاغتيالات الساكنة إلى طلب مساعدة أي فصيل يعتبرونه قادراً على نشر الأمن والاستقرار. هذا الأمر يضع “هيئة تحرير الشام” في موقع جيد، حيث تملك الجماعة الرغبة والقدرة على توفير الأمن والاستقرار معاً، على عكس غيرها من الجماعات الثورية. وقد بدأت الجماعة بالفعل في استغلال الوضع من أجل إطلاق حملة أمنية واسعة النطاق بحجة القبض على منفذي الاغتيالات. وقد سبق للجماعة في الماضي استغلال فرص مماثلة لاعتقال خصومها وتعزيز حضورها وسيطرتها، بل وقد أدى هذا في بعض الحالات إلى رفع شعبيتها لدى الساكنة.

لهذه الأسباب، ومن باب الحكمة والحصافة، يجب أن تقوم الجماعات السورية، إلى جانب الدول المشاركة في دعم مختلف القوات الشرطية في سوريا، مثل قوة “الشرطة السورية الحرة” المدعومة من الغرب وقوات الشرطة التي تدعمها تركيا، بالاستثمار بشكل أكبر في جهود حماية المجتمعات المحلية من هجمات مماثلة. وفي حين قد تبدو هذه مسألة غير ذات أهمية مقارنة بنطاق الحرب الواسع، إلا أنها تعتبر خطوة ضرورية من أجل منع “هيئة تحرير الشام” من الاستفادة بشكل أكبر من هذه المأساة. ومع انخفاض وتيرة الاغتيالات، فإن فرصة “هيئة تحرير الشام” للتسبب في مزيد من الضرر قد بدأت للتو.

AFP PHOTO/OMAR HAJ KADOUR