العلاقة بين الأردن والنظام السوري أوثق مما قد يتصوره البعض

حايد حايد

لقد مرت سبع سنوات عصيبة منذ اندلاع الحرب الأهلية السورية على مرمى حجر من حدود المملكة الأردنية، فما الذي وصلت إليه العلاقات بين عمَّان ودمشق اليوم؟ مما لا شك فيه أن سياسة عمًّان تجاه سوريا قد اكتست طابع الازدواجية، حيث تمكن الأردن من الحفاظ على روابطه مع كافة الأطراف المعنية: ففي حين أنه قدم الدعم العسكري للثوار السوريين النشطين على طول حدود المملكة، استمر في الحفاظ على علاقات دبلوماسية مع دمشق. لكن مع اقتراب ما يعتقد الكثيرون أنه النهاية الوشيكة للحرب، طرأ تحول ملحوظ في الموقف الأردني. فقد أكدت مصادر متعددة تسجيل تزايد مهم في عمليات التنسيق بين وكالات الاستخبارات السورية ونظيراتها الأردنية، علماً بأن الطرفين يسعيان إلى إعادة إحياء العلاقات بينهما بحجة تنسيق جهود مكافحة الإرهاب. لكن في الواقع ما هذه إلا إشارة على قيام عمَّان بمراجعة موقفها تجاه الصراع السوري، حيث نرى أن الأردن يزداد تقرباً من نظام الأسد أكثر من أي وقت مضى خلال سنوات الحرب الجارية.

ولتقعيد السياق لا بد من بعض الإضاءات التاريخية: من المفهوم أن الأردن لطالما ارتأى أنه في صالح أمنه الوطني أن يستبق آثار أي تداعيات للعنف الذي قد يمتد عبر حدوده. وخلال الأشهر الأولى من الثورة، عندما بدا وقتها أن نهاية نظام بشار الأسد قد أضحت وشيكة، عبرت عمَّان عن موقف علني جريء ضد الزعيم السوري: كان الملك عبد الله أول زعيم عربي يدعو الأسد إلى الاستقالة. قد يظن المرء أن الغاية من هذه الخطوة هي التقرب من النظام الجديد المرتقب، لكن حين تحولت الاحتجاجات السلمية ضد الأسد إلى صراع مسلح، انعطف موقف الأردن ووافق على المشاركة في تسليح الثوار بإيعاز من المملكة العربية السعودية، وهي أقرب حلفائه الإقليميين. إلا أن الولايات المتحدة، المرتابة من فكرة الضلوع في قلب نظام آخر في الشرق الأوسط، كانت أكثر حذراً في دعمها للثوار السوريين، الأمر الذي كان له تأثيره على المسار الذي كانت تسلكه عمَّان. والحصيلة بعد كل المناورات والحسابات انتهت إلى أن الأردن سيسمح بمرور الأسلحة عبر حدوده مع جنوب سوريا، ولكن لصالح جماعات ثورية بعينها.

وبالفعل، إذا نظرنا إلى سجل الأردن خلال السنوات السبع الماضية سنجد أنه عبارة عن سلسلة من المحاولات تلو المحاولات لإيجاد التوازن المناسب.

في سنة 2013، عزز الأردن تعامله مع الثوار حيث قامت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بافتتاح مركز العمليات العسكرية بعمَّان خلال تلك السنة، وهو المركز الذي نسق الدعم العسكري والتمويل المقدميْن للثوار من طرف عدة قوى إقليمية ودولية. كما سمحت المملكة بتدريب ثوار مناهضين للأسد على أراضيها، كجزء من برنامج سري تابع لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. بالمقابل فإن الأردن قاوم كل الضغوط التي تدفعه إلى التدخل المباشر في سوريا أو السماح لقوات أجنبية باستغلال حدوده دون إشراف صارم منه. وخلال هذا الوقت كله، استمر كل من الأردن وسوريا في تشغيل سفارتيهما في عاصمتي بعضهما البعض، فيا له من إنجاز في فن التوازن الدبلوماسي!

بعدها بسنتين، قام الأردن بإعادة ضبط موقفه مرة أخرى. فمع بروز الجماعات الجهادية في سوريا، بدأت عمَّان في النأي بنفسها عن مختلف الفصائل المتحاربة. وخشيةً للتحديات الأمنية المحتمل أن تترتب عن تعاظم قوة هذه الجماعات – خاصةً منها “جبهة النصرة” التابعة لتنظيم “القاعدة” في سوريا (والتي غيرت تسميتها اليوم إلى “هيئة تحرير الشام”) وتنظيم “داعش” – تغيرت أولويات عمَّان من دعم إسقاط الأسد إلى احتواء التهديد الجهادي. وفي الوقت نفسه، خف تركيز حلفائها على الأسد، حيث كانت السعودية منشغلة بحربها في اليمن، بينما انصب تركيز الولايات المتحدة على محاربة تنظيم “داعش” حيثما كان.

ورغم تراجع دعم الأردن للثوار، فإنه لم ينقلب ضد قضيتهم. وحسب ما أفاد به عدد من المسؤولين الأردنيين لكاتب هذا المقال، فقد تحول تركيز الأردن إلى دعم القوات القبلية السورية، التي تُعتبر أقل فساداً من غيرها والتي لم تكن لها أي صلات بالحركات الجهادية، وذلك حتى تؤمن الحدود الأردنية وتوفر معلومات استخبارية لعمَّان مقابل حصول هذه القبائل على المساعدة والدخول إلى الأردن. إلا أن هؤلاء المسؤولين شددوا على أن الدولة لم توفر أي إمدادات من العتاد الفتاك لهذه القبائل.

وبالعودة إلى الزمن الحاضر، يعود الأردن للدوران حول نفسه بتغيير مواقفه؛ لكن إذا كانت عمَّان في الماضي قد وجدت أن مصالحها الأمنية والوطنية تعتمد على تحقيق توازن دقيق بين الثوار ودمشق، فهي اليوم قد تضرب بالتوازن عرض الحائط لصالح إقامة شراكة استراتيجية مع نظام الأسد.

كيف حدث هذا؟ مع التدخل العسكري الروسي في الحرب، الأمر الذي يرجح كفة دمشق، وقرار الولايات المتحدة بإيقاف دعمها لجماعات الثوار، بدأت عمَّان بالانحياز لنظام الأسد بهدوء. ويشير سيل من التصريحات التي ألقاها مسؤولون أردنيون خلال السنة الماضية إلى أن عمَّان لا تعارض استعادة علاقات كاملة مع دمشق. لكن الأهم من ذلك هو أن هذه التصريحات تشير أيضاً إلى استعداد الأردن للعمل بنشاط على تسهيل تسوية سياسية تسمح لنظام الأسد باستعادة السيطرة على نقاط العبور على امتداد الحدود المشتركة بين الدولتين.

وقد صرح عدد من المسؤولين الأردنيين لكاتب هذا المقال بأن السيطرة الحكومية السورية الكاملة على مناطق الحدود هي الخيار الأمثل بالنسبة لعمَّان. وهم يعتقدون أن هذا الأمر سيضمن الأمن الحدودي للأردن، وينعش اقتصاده ويساعده على استعادة علاقات كاملة مع النظام السوري، كما أنه يضع الأردن في موقع جيد عندما تبدأ سوريا في عملية إعادة البناء. إن هذا الأمر ليس مفاجئاً، حيث لا يخفى أن عمَّان، وحتى شهر أكتوبر من السنة الماضية، قد حاولت التوسط للتسوية بين جماعات ثورية ناشطة في الجنوب والنظام السوري من أجل إعادة فتح معبر نصيب، وهو نقطة العبور الرئيسية بين الأردن وسوريا. وأشار مسؤولون أردنيون لكاتب هذا المقال إلى أنه رغم الفشل الذي واجهته المفاوضات سابقاً، إلا أنها ما تزال مستمرة لاستكشاف حلول أخرى قد لا تتطلب بالضرورة موافقة الثوار أو مشاركتهم.

ومن المرجح أن يكون للسياسة الجديدة التي ينتهجها الأردن أثر بارز على جماعات الثوار في جنوب سوريا، خاصة في ظل المخاوف المتزايدة من أن تستهدف هجمة دمشق المقبلة محافظة درعا القريبة من الحدود الأردنية. وفي الوقت الذي قد تتسبب فيه هجمة مماثلة في زعزعة استقرار المناطق الأردنية المتاخمة للحدود، فإن رد عمَّان سيعتمد على الأرجح على حسابات متعلقة بالمنافع على المدى البعيد والتي قد تتحقق نتيجة الهجمة، خاصة إذا تم الاتفاق على هذه المنافع مسبقاً. وبعد سبع سنوات من اندلاع الصراع السوري، يبدو أن الأردن يعمل حالياً على إعادة نظرٍ استراتيجية تراهن على تفوق الأسد في هذه الحرب.

AFP PHOTO/KHALIL MAZRAAWI