ما وراء مظاهرات الوقود في الأردن؟

سها المعايه

Image courtesy of Khalil Mazraawi / AFP

قوبلت الاحتجاجات الوقود الأخيرة في الأردن والدعوات إلى تدخل الحكومة برد مألوف، فبدلا من معالجة المظالم الأساسية، ردت السلطات بقبضة من حديد.

وبعدما بدأت المظاهرات في 4 ديسمبر في جنوب البلاد، استخدمت قوات الأمن الأردنية الغاز المسيل للدموع وباشرت باعتقال المنظمين والنشطاء الذين أظهروا تضامنهم مع المظاهرات، وتم تسمية المتظاهرين بالمخربين والخارجين عن القانون.

وأظهرت مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي صورة مختلطة، حيث تظاهر بعض السائقين سلميا من خلال إيقاف شاحناتهم على قارعة الطريق. لكن أحرق المتظاهرون الغاضبون الإطارات ورشقوا سيارات الشرطة بالحجارة في عدة مدن جنوبية، وكذلك في الزرقاء، على بعد 20 كيلومترا شمال شرق عمان.

وأقر البعض في محافظة معان في مقابلات عبر الهاتف بوجود مخربين وإن كان أعدادهم قليلة، وتقع المحافظة على بعد 225 كيلومترا جنوب عمان حيث تركزت الاضطرابات، ولسوء الحظ، أدت تصرفات قلة منهم إلى تشويه مقصد المتظاهرين وأعطت الحكومة ذريعة لربط الاحتجاجات بالإرهاب.

وقتل نائب قائد شرطة محافظة معان العقيد عبد الرزاق دلبية في 17 ديسمبر، في اشتباكات مع المتظاهرين، وأصيب شرطيان آخران، وردت السلطات باعتقال العشرات، وحظر تيك توك مؤقتا، وقطع الإنترنت في المدينة.

وقتل ثلاثة آخرون من ضباط الشرطة وأصيب خمسة آخرون عندما داهمت السلطات مخبأ المشتبه به الرئيسي في مقتل دلبيه، كما قتل المشتبه به في تبادل إطلاق النار، وتم اعتقال تسعة من المشتبه بهم، وربطت الشرطة من تم اعتقالهم بخلية إرهابية وقالت إن أعضاءها “تكفيريون” جهاديون يعتبرون المسلمين الآخرين كفارا.

وليس هناك شك في أن مقتل قوات الأمن هو تطور مأساوي في الأحداث الأخيرة في الأردن، وأن الجماعات المتطرفة غالبا ما تستغل مظالم المجتمعات المهمشة لتعزيز فكرها المتعصب وزرع الفتنة.

ولكن المظاهرات في جنوب الأردن، والتي امتدت منذ ذلك الحين إلى الكرك والطفيلة ومناطق أخرى، تعكس الإخفاقات الاجتماعية والاقتصادية للحكومات المتعاقبة، وقد مهد الطريق لها الاستياء العام نتيجة تدهور الظروف المعيشية وافتقار الحكومة إلى الشفافية.

وتبلغ نسبة البطالة في الوقت الحالي 22.6 في المئة، بينما تبلغ نسبة البطالة بين الشباب 50 في المئة، والفقر آخذ في الازدياد ويرى البعض أن الفساد مستشري، والوضع متدهور بشكل خاص في المدن الجنوبية، حيث تتزايد الشكاوى من إهمال الحكومة.

وعلى الرغم من الهدوء الحذر الذي ساد منذ مقتل أفراد الشرطة، لكن لا تزال التوترات قائمة واستمرت السلطات في اعتقال النشطاء، بمن فيهم الرئيس السابق لبلدية معن، ماجد الشراري.

وأخبرني ماجد شراري، قبل أيام قليلة من اعتقاله في 18 ديسمبر، أن الأزمة تتصاعد لأن الحكومة تحاول التهرب من مسؤولياتها من خلال تجاهل مطالب المحتجين بخفض أسعار الوقود، وقال الشراري “كل الأبواب مغلقة ورئيس الوزراء غائب”.

في حين أن المظالم ليست حصرا على محافظة معان، إلا أن المدينة لديها تاريخ حافل بالصراع.، فعندما رفعت الحكومة الدعم عن الخبز في عام 1989، اندلعت أعمال الشغب وانتشرت إلى العديد من المناطق الجنوبية الأخرى، ورد الملك الراحل حسين برفع الأحكام العرفية واستئناف الانتخابات البرلمانية التي كانت متوقفة منذ عام 1967.

وكانت آخر الاحتجاجات الكبيرة في الأردن في عام 2018، وكانت ضد تدابير التقشف والزيادات الضريبية، والتي سقطت على أثرها حكومة رئيس الوزراء السابق هاني الملقي. والواقع أن إقالة رؤساء الوزراء بفضل الاستياء الشعبي، وما أعقبه من تعهدات بالإصلاح لتهدئة الرأي العام، تشكل ممارسة عفا عليها الزمن، وفي بعض الأحيان تنجح تلك التدابير بصورة مؤقتا، لكن معالجة الأسباب الجذرية ستكون أكثر نفعاً من النهج القائم على حرس الأمن.

ولكن يبدو أن الحكومة عازمة في هذه المرحلة على اتباع الاستراتيجية الأخيرة، وذلك بفضل سبب واحد وهو: عدم توفر المال لخفض الأسعار، وتكافح السلطات في التعامل مع عجز قياسي في الميزانية ناتج جزئيا عن انخفاض المساعدات الخارجية، وأنفقت الحكومة بالفعل 500 مليون دينار (نحو 705 ملايين دولار) لوضع حد أقصى لأسعار الوقود، وقال رئيس الوزراء بشر الخصاونة للبرلمان هذا الشهر إن الحكومة لا تملك القدرة على فعل المزيد، ويبلغ سعر الديزل حاليا 1.26 دولار للتر، والذي ارتفاع من 0.87 دولار قبل عام.

ونظرا لأن أسعار الوقود يتم تعديلها شهريا وفقا للأسواق العالمية، يتوقع الكثيرون انخفاض الأسعار في نهاية هذا الشهر، وربما هذا هو أحد الأسباب فشل الاحتجاجات الأخيرة في اقناع الحكومة بالالتزام بسياسية ذات مغزى.

ويعد ذلك خطأ كبيرا، حيث تتقلص مساحة الحرية العامة في الأردن بينما يكافح الناس للوفاء بحاجاتهم الأساسية، وبلغ معدل التضخم 5.2 في المئة في شهر أكتوبر، وعلى الرغم من أن هذا معدل متوسط مقارنة بباقي دول العالم، إلا أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود والاحتياجات الأساسية الأخرى يقض مضجع الأردنيين.

ويعد تخفيض ضريبة المبيعات والضرائب الثابتة والتعريفات الجمركية من بين الإجراءات التي يجب على الحكومة اعتمادها لتحفيز الاقتصاد، كما يجب السماح بمزيد من الحريات العامة وتشجيع حرية التعبير ومكافحة الفساد وتأسيس مبدأ الحكم الرشيد.

لقد أطلق الأردن حملة إصلاح طموحة لتحويل البلاد صوب المسار الديمقراطي على مدى العقد المقبل، لكن المملكة ستفشل في ذلك المسعى إذا استمرت في قمع المعارضة من خلال القبضة الحديدية. يرغب الأردنيون في الحصول على بلدا مستقر ومزدهر، وبدون تحسينات اقتصادية وسياسية حقيقية، ستبقى تلك الرغبة خزينة الصدور.

 

سهى معاية صحفية مقيمة في عمان – الأردن، تم نشر أعمالها في السياسة الخارجية و سي تي سي سنتينل، كما أنها تقدم تقارير لصحيفة وول ستريت جورنال ومنشورات أخرى عن الأردن وجنوب سوريا.