خطط سفر الرئيس الصيني ” شي جين بينغ” تُميط اللثام عن الأولويات الإستراتيجية للصين

يون صن

Image courtesy of Noel Celis / AFP

 

أصبح التنبؤ بخطط السفر الدولي للرئيس الصيني شي جين بينغ بمثابة لعبة مسلية للصحفيين ومراقبي السياسة الخارجية، فلم يغادر شي الصين منذ بدء جائحة كورونا، وستكشف وجهة رحلته الأولى بعد الوباء – ومن يلتقي – عن الكثير حول الأولويات الاستراتيجية للصين.

وبلغ الحماس ذروته في منطقة الشرق الأوسط بعد أن ذكرت صحيفة الغارديان في 11 أغسطس أن الرئيس الصيني “شي” سيزور المملكة العربية السعودية خلال الأسبوع الموافق لـ 15 أغسطس، وجاء ذلك الأسبوع وانقضى ولم يحدث أي شيء، وبينما كان المراقبون للدورة السياسية في الصين متشككين في مزاعم زيارة السعودية، إلا أن الشرق الأوسط لايزال على رأس جدول أعمال” شي” الخارجية.

و لمن يفهم الدورة السياسية في الصين، فإن رحلة خارجية للزعيم الصيني في منتصف شهر أغسطس هو احتمال غير واردة. وتعارضت الشائعات حول زيارة السعودية مع الخلوة السنوية في شهر أغسطس إلى مقاطعة بيداهي، حيث يتم اتخاذ القرارات السياسية الرئيسية والحزبية والتعيينات الرئيسية، إن التغيب عن تلك الفعالية ما كان ليكون خيارا سياسيا مجديًا.

ولهذا العام مكانة مميزة، حيث من المقرر عقد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الصيني في 16 أكتوبر، ومن المتوقع أن ينأى ” شي” بنفسه عن التقاليد ويؤمن فترة ولاية ثالثة مدتها خمس سنوات.  وتتفوق السياسة الداخلية في الصين على كل شيء، ويظل تأمين الدعم السياسي في الداخل على رأس أولويات الرئيس “شي”.

ولا يشير أي من ذلك إلى أن الرئيس “شي” يستبعد ركوب الطائرة في القريب العاجل وحضور القمم شخصياُ مرة أخرى، وهناك رحلتان على الأقل في طور الإعداد، الرحلة الأولى- من المرجح أن يزور “شي” آسيا الوسطى في منتصف سبتمبر لحضور قمة منظمة شنغهاي للتعاون، والثانية – يكاد يكون من المؤكد أن” شي” سيسافر إلى إندونيسيا في منتصف شهر نوفمبر لحضور مجموعة العشرين، حيث يمكن أن يجتمع مع الرئيس الأمريكي جو بايدن (التفاصيل قيد التفاوض حاليًا).

وإذا افترضنا وقوع هاتين الرحلتين، فستحمل كل منهما أهمية استراتيجية للصين. إن قمة منظمة شنغهاي للتعاون، والاجتماع المتوقع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، من شأنه أن يشير إلى تحالف أقوى ودعم أكبر من روسيا لمؤتمر الحزب القادم، كما ستستخدم بكين قمة مجموعة العشرين، والاجتماع المباشر مع بايدن، للتأكيد على قبول واشنطن لولاية” شي” الثالثة.

ويبقى الشرق الأوسط والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص مهمين للصين فيما يتعلق بأمن الطاقة ولتقويض النفوذ الأمريكي في المنطقة، لكن في هذه اللحظة من الدورة السياسية الداخلية للصين، لا يحمل الشرق الأوسط نفس الأهمية التي تحملها  روسيا أو الولايات المتحدة، وهذا هو السبب في أن معظم تكهنات السفر الخاصة بالرئيس” شي” تتركز على المحادثات المحتملة مع بايدن وبوتين.

إذن متى سيفرش الشرق الأوسط السجادة الحمراء للرئيس “شي”؟

ستكون المناسبة الأكثر ترجيحًا هي القمة العربية الصينية المزمع عقدها في المملكة العربية السعودية أواخر هذا العام أو أوائل العام المقبل، وكان المسؤولون يتوقعون تلك الرحلة منذ أشهر، وبالنظر إلى الخطوات السباقة، فمن غير المرجح أن يغير “شي” مساره ويلغي الحدث. ولا يزال بإمكان بكين جعل القمة افتراضية، لكن هذا لن يكون مرضيًا للمنطقة أو للصين، وعليه يمكن توقع زيارة فعلية إلى الشرق الأوسط من قبل الرئيس ” شي” في أواخر عام 2022 أو أوائل عام 2023.

وخلاصة القول هي أنه على الرغم من أنه من غير المحتمل أن يكون الشرق الأوسط هو أول محطة سفر للرئيس الصيني بعد حجر السفر الذي فرضه على نفسه، إلا أنه من غير الوارد أن يتجاهل الرئيس الصيني المنطقة بالكامل، حيث التزم قادة الصين الكبار الآخرون حضور القمم في الأشهر الأخيرة، واستقبل الشرق الأوسط في عام 2021  زيارات من القادة الصينيين أكثر من أي منطقة أخرى في العالم، بما في ذلك ثلاث رحلات إلى 11 دولة قام بها عضو المكتب السياسي “يانغ جيتشي” ووزير الخارجية “وانغ يي”.

كما استضاف الرئيس “شي” الرئيس المصري وأمير قطر وولي عهد أبو ظبي خلال دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين.

وهناك سببان رئيسيان وراء رغبة الصين في الحفاظ على علاقات دافئة مع الشرق الأوسط، الأول هو المصلحة المشتركة في تجاوز الاعتماد على الوقود الأحفوري، نظرًا لأن التعامل تغير المناخ وتحقيق حياد الكربون أصبحت مخاوف ملحة بشكل متزايد، ويحتاج كلا الجانبين إلى بعضهما البعض لتحقيق أهداف الطاقة الخاصة بهما، وتستورد الصين النفط والغاز من الشرق الأوسط لدعم طموحاتها في مجال الطاقة الخضراء، ويحتاج الشرق الأوسط إلى الصين كعميل مستقر وموثوق وسط انكماش السوق، وتعد الصين أيضًا موردًا مهمًا لتكنولوجيا الرياح والطاقة الشمسية في المنطقة.

ثانيًا، ولعل هذا السبب يثير استياء الغرب، أن الصين والعديد من دول الشرق الأوسط لها منظومة قيم متقاربة على صعيد السياسية والسياسات الداخلية، وأصبح ذلك التقارب قوياً لدرجة أن قضية الأويغور، وهي قضية كبيرة حول حقوق الإنسان بالنسبة للغرب، لم تعد تشكل عقبة أمام تنمية علاقات الصين مع الدول الإسلامية.

على الرغم من أن الرئيس “شي” لم يزر المملكة العربية السعودية في شهر أغسطس، إلا أن الشرق الأوسط لا يزال مهمًا للصين؛ وستنمو مصالح الصين الإستراتيجية في المنطقة فقط في عام 2023، حيث ستظهر الصين كقوة عظمى ناشئة، وتمتلك الصين قائمة كبيرة من الأهداف الخارجية، وسيتطلب تحقيق تلك الأهداف العديد من المحادثات حول الطاولة.

 

 يون صن هو مدير برنامج الصين والمدير المشارك لبرنامج شرق آسيا في مركز ستيمسون بواشنطن العاصمة