ما لا يفهمه الغرب عن كأس العالم في قطر

جوناثان جرونال

Image courtesy of David Gannon / AFP

سيشهد العالم حدث تاريخي في 20 نوفمبر عندما تلتقي قطر والإكوادور في استاد البيت في الخور للعب المباراة الأولى من كأس العالم 2022.

وهذه هي النسخة الـ 22 من كأس العالم لكرة القدم منذ انطلاقها في عام 1930، ولكنها المرة الأولى فقط التي تقام فيها البطولة في العالم العربي أو الشرق الأوسط.

وتعد هذه البطولة تطورا مفيدا للمنطقة ككل وللتفاعل الإيجابي بين شعوب وثقافات الشرق الأوسط وبقية العالم، ولن يتجاهل ذلك سوى وسائل الإعلام ضيقة الأفق والتي تملك جدول أعمال سلبي تتشاءمي ساخر.

وعليه، نقدم لكم الصحافة البريطانية.

وكما كان متوقعاً، كانت قطر في مرمى النيران منذ نيلها لقب استضافة كأس العالم في عام 2010.

و”كشفت” الجارديان في عام 2021 أن “أكثر من 6500 عامل مهاجر قد ماتوا في قطر منذ فوزها بحق استضافة كأس العالم قبل 10 سنوات”.

وكان المعنى الضمني المضلل هو أنهم ماتوا جميعا وهم يبنون الملاعب السبعة والبنية التحتية الأخرى لكأس العالم.

وفي الواقع، كان عدد الوفيات خلال تلك الفترة متناسبا مع حجم القوى العاملة الوافدة الكبيرة في البلاد، وكان 10 في المئة فقط من الوفيات بين العمال المشاركين في مشاريع كأس العالم.

وشملت الحصيلة بعض الوفيات المرتبطة بقطاع البناء، لكن عددا أكبر بكثير منها كان لأسباب طبيعية، بما في ذلك تلك التي وقعت بين العمال في المكاتب والذين عاشوا في قطر لسنوات.

واستمر الجدل الساخن حول كيفية عرض تلك الأرقام وكيفية تسجيل قطر لها، لكن أضواء كأس العالم دفعت قطر أيضا إلى إصلاح جذري لنظام العمل لديها، وهو أمر نادر ما يذكر في التغطية الإعلامية الغربية.

وتعرض قائد مانشستر يونايتد السابق ولاعب كرة القدم الإنجليزي غاري نيفيل، وهو منتقد صريح للظلم الاجتماعي في بريطانيا، لانتقادات لموافقته على التعليق خلال كأس العالم لقناة “بي إن سبورت ” القطرية المملوكة للدولة.

وبدلا من ذلك، قيل له إنه كان يجب عليه استغلال تلك المناسبة لتسليط الضوء على “سجل الدولة المروع في مجال حقوق الإنسان”، بما في ذلك موقفها المحافظ من المثلية الجنسية.

وهناك العديد من النقاط التي يجب عدم اختيارها من هذه العاصفة الرملية من إشارات الفضيلة المقدسة، ولكن هنا نقطتان فقط.

أولا، يجب على البريطانيين تذكر أنهم لم يعد لديهم إمبراطورية، ويجب عليهم الخلاص من عادة إخبار الثقافات الأخرى ما الواجب عليهم فعله.

ثانيا، يجب عليهم النظر في تاريخهم ليروا أن التغيير هو عملية تطورية.

على سبيل المثال، لم يتم إلغاء تجريم المثلية الجنسية في بريطانيا جزئيا إلا في عام 1965، حيث سجن آخر رجل بسبب “الجريمة” في عام 1993.  وفي شهر يناير فقط من هذا العام أعلنت الحكومة البريطانية أن جميع الإدانات السابقة سيتم محوها من السجل.

ولكن أسوأ ما في ذلك الهجوم الذي لا هوادة فيه على دول الخليج هو النفاق المتمثل في الدعوة إلى المشاركة والتقدم من جانب، ولكن التذمر منه إذا وقع من جانب آخر، وتجاهل التحولات الضخمة في المجتمع التي تحدث من خلال المشاركة الرياضية، والفوائد الهائلة التي تجلبها كل تلك التحولات للناس العاديين في المنطقة.

وشهد قطاع الرياضة نموا كبيرا في الخليج، على المستويين الشعبي والدولي، وبالنسبة لدول الخليج التي تعاني من أسوأ معدلات السمنة والسكري في العالم، يمثل نمو قطاع الرياضة نجاحا كبيرة لقطاع الصحة العامة.

وضاعفت الصالات الرياضية ومسارات الدراجات ومسارات الجري والحدائق وملاعب الجولف وملاعب كرة القدم وحمامات السباحة فرص المشاركة في التمارين الرياضية بشكل كبير في جميع أنحاء المنطقة على مدى السنوات الـ 20 الماضية، مع مشاركة الجمهور الذي حفزته العديد من الأحداث الدولية رفيعة المستوى التي تم تقديمها إلى دول الخليج.

وكل ذلك بطبيعة الحال، وسع العقول وفتح العيون ليس فقط لعرب الخليج، ولكن أيضا للأعداد المتزايدة من الزوار الغربيين ولمشاهدي التلفزيون الذين ينجذبون إلى مثل تلك الأحداث في المنطقة.

وبطبيعة الحال، كلما دخل حدث رياضي كبير آخر إلى منطقة الخليج، ترتفع الأصوات في بعض الأوساط بأن ذلك الحدث الرياضي مجرد ممارسة مشبوهة لـ “الغسيل الرياضي” المصمم فقط لتلميع سمعة شعوب الدول الخليجية. وما يحصل لكأس العالم في قطر الآن، حصل لسباق الجائزة الكبرى للفورمولا واحد في المملكة العربية السعودية كما وقع (مع أبوظبي والبحرين، وهناك الآن ثلاث سباقات كبيرة في الخليج).

ويعد ذلك نهج سخيف ومختزل، والرياضة قوة ناعمة لا مثيل لها، ولها القدرة على إحداث العديد من التغييرات العظيمة.

وخلص تقرير صادر عن برايس ووترهاوس كوبرز الشرق الأوسط في عام 2021 إلى أنه “من المتوقع أن تنمو صناعة الرياضة بشكل أسرع في منطقتنا أكثر من أي مكان آخر في العالم على مدى السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة”، وذلك بفضل الحكومات الإقليمية “التي تسعى بكل جد إلى استخدام الرياضة كوسيلة لتنويع اقتصاداتها بعيدا عن الموارد الطبيعية وبناء التماسك الاجتماعي”.

وبطبيعة الحال، فإن تنظيم كأس العالم في قطر هو لحظة تاريخية، لكنه أبعد ما يكون عن كونه ظاهرة تحدث بمعزل عن العالم.

حيث وجدت دراسة استقصائية أجرتها الهيئة العامة للإحصاء هذا الصيف في المملكة العربية السعودية أن أكثر من 48 في المئة من مواطني المملكة يمارسون الآن نشاطا بدنيا لمدة 30 دقيقة على الأقل في الأسبوع.

وستستضيف الرياض ثاني ماراثون لها على الإطلاق في شهر فبراير في عام 2023، وسيتم إطلاق نصف ماراثون جدة في 10 ديسمبر، ويتم تنظيم كلاهما من قبل الاتحاد السعودي للرياضة للجميع، الذي تأسس في عام 2018 بهدف “تحفيز الأفراد من جميع الخلفيات والقدرات لعيش حياة سعيدة وصحية”.

إنه شعار يلخص إلى حد كبير التأثير الضئيل للرياضة عالية المستوى.

إن كأس العالم هذه المرة مثل المسافر الذي يُكون صداقات جديدة ويجمع بين الثقافات ويشجع الأولاد والبنات للخروج من المنزل ولعب الكورة، وليس كما يتمنى مشجعي  نادي كرة القدم الانجليزي “عائد إلى الوطن”.

وهذا بالتأكيد شيء يمكننا جميعا أن نصفق له، أيا كان الفريق الذي نشجعه.

 

جوناثان غورنال هو صحفي بريطاني، عمل سابقا مع صحيفة التايمز، وعاش وعمل في الشرق الأوسط ويقيم الآن في المملكة المتحدة. تويتر: @JonathanGornall