المحنة التي يعيشها اللاجئون الأفارقة في إسرائيل وما تعنيه بالنسبة للصهيونية

جوزيف دانا

لقد عرف الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي ارتفاعاً ثابتاً خلال العقد الماضي في ظل نمو قطاع البلاد التكنولوجي واكتشاف حقول شاسعة من الغاز الطبيعي قبالة ساحلها الشمالي. ونظراً لثروتها وساكنتها القليلة نسبياً والمؤلفة من 6 ملايين شخص، قد يظن المرء أن إسرائيل لن تواجه أي مشكلة في استيعاب اللاجئين الأفارقة الفارِّين من الاضطهاد، فهي في المقام الأول بلاد ساهم في بنائها لاجئون يهود فروا من الخراب في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. إلا أن رد فعل الحكومة الإسرائيلية تجاه هؤلاء اللاجئين الأفارقة لم يتسم بالترحاب على الإطلاق.

وتملك إسرائيل سجلاً تاريخياً قاسياً على نحو استثنائي مع طالبي اللجوء من غير اليهود. فمنذ تأسيس البلاد قبل سبعة عقود، لم يحصل على حق اللجوء السياسي فيها سوى أقل من 200 شخص غير يهودي. وقد تولَّد هذا النهج عن الرفض الذي كان يلقاه اللاجئون الفلسطينيون الراغبون في العودة إلى ديارهم بعد قيام دولة إسرائيل، إلا أنه امتد ليشمل الأشخاص المضطهدين من كل أرجاء العالم. ورغم أن لإسرائيل معدل مرتفع على المستوى العالمي في الاعتراف بطلبات اللجوء الإريترية والسودانية، التي تصل إلى 84 بالمائة و74 بالمائة على التوالي، فهي تحاول جاهدة أن تغلق أبوابها.

وقد تدفق عشرات الآلاف من اللاجئين الأفارقة إلى إسرائيل عبر شبه جزيرة سيناء في مصر خلال العقد الماضي. ولكن هذا التدفق توقف بعدما زودت إسرائيل حدودها بسياج عالي التقنية يمتد على مسافة 242 كيلومتر، لكن ما يزال هناك 40 ألف لاجئ على الأقل داخل البلاد، والذين تنعتهم الدولة بـ”المتسللين.” وقد تبنَّت وسائل الإعلام الإسرائيلية هذا اللقب الذي يعكس رفضاً واسع النطاق لحقوق اللاجئين غير اليهود للعيش في البلاد.

وتُبين استطلاعات الرأي الحديثة أن ما يزيد عن 70 بالمائة من الإسرائيليين يريدون أن تتم إعادة توطين هؤلاء الأفارقة خارج البلاد. وعلى مدى العقد الماضي، كان القادة السياسيون الإسرائيليون يشيرون إلى اللاجئين بـ”السرطان”، كما شهدت البلاد أعمال شغب استهدفت اللاجئين في مختلف مناطقها، وسعت الدولة بشكل محموم لإيجاد طريقة للتخلص من هؤلاء الأشخاص ولكن دون جدوى. وقد تم سجن اللاجئين دون أي تهمة وعُرض عليهم المال لمغادرة البلاد “طوعاً”، ولكن لم تفلح أي من هذه الممارسات في حل المشكلة.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في تصريح مفاجئ هذا الشهر، إنه توصل إلى اتفاق مع بعض الدول الأوروبية توسطت خلاله وكالة الأمم المتحدة للاجئين يقضي بإعادة توطين الآلاف من اللاجئين. إلا أنه لم تمر سوى ساعات قليلة حتى عكس نتنياهو قراره مشيراً إلى الانتقاد الذي تلقاه هذا القرار من اليمين الإسرائيلي. فقد رأى مؤيدوه أن الصفقة شديدة السخاء تجاه اللاجئين ورفضوها بشدة، في حين أنكرت كل من إيطاليا وألمانيا، اللتان كان يُعتقد أنهما قبلتا استيعاب اللاجئين، موافقتهما على أي اتفاق.

وقد أعاد هذا التغيير الكامل للمواقف إلى الواجهة إمكانية أن ترسل إسرائيل اللاجئين إلى دولة إفريقية لم يُذكر اسمها، كان يُعتقد في بادئ الأمر أنها رواندا التي تحافظ إسرائيل على علاقات سياسية واقتصادية وثيقة معها. إلا أن رواندا انسحبت من الخطة عقب احتجاجات على المستوى الدولي، ما جعل من أوغندا البديل المحتمل لها. إن لإسرائيل تاريخ طويل في القارة الإفريقية؛ تاريخ قد تفضِّل نسيانه.

لقد استثمرت إسرائيل بكثافة في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في أوائل خمسينات القرن الماضي، في محاولة لكسب الدعم في الأمم المتحدة من الدول الإفريقية التي كانت قد حصلت على استقلالها حديثاً آنذاك. وقد اتسمت هذه العلاقة بتصدير إسرائيل لخبراتها في المجال الزراعي وتكنولوجيا المياه وكذا التدريب العسكري في بعض الأحيان مقابل دعم هذه الدول لها في الأمم المتحدة.

لكن هذه العلاقة تعكرت لما ألقت إسرائيل بثقلها وراء نظام الأبارتيد في جنوب إفريقيا. وبحلول ستينات القرن الماضي، كانت إسرائيل قد بدأت علاقة مدروسة وسرية مع جنوب إفريقيا تميزت بالتواطؤ العسكري. فقد قدمت إسرائيل لجنوب إفريقيا المعدات العسكرية والخبرة ودعمتها للتحايل على المقاطعات الدولية لها بسبب تطبيقها لنظام الأبارتيد، وتلقت إسرائيل مقابل ذلك كميات هائلة من المواد الخام والأموال على مدى أواخر سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وهي الفترة التي عرفت خلالها الأسواق الاقتصادية العالمية حالة ركود. وقد أنهت هذه العلاقة السرية علاقات إسرائيل الودية مع عدة دول إفريقية، التي قدمت بدورها الدعم الدبلوماسي والمادي لـ”منظمة التحرير الفلسطينية”.

لقد أثار التدفق الحديث للاجئين الأفارقة موجات من العنف المعادي للأفارقة عبر إسرائيل، ولكن لم ينتج عنه أي حوار جاد حول علاقة إسرائيل بإفريقيا، سواء في الوقت الراهن أو تاريخياً. وصحيح أن المتخصصين في العلاقات العامة الإسرائيليين قد استخدموا وجود اليهود الإثيوبيين السود في بلادهم لإقناع المجتمع الدولي أن بلادهم معقل للتعددية الثقافية، ولكن هذه الأقلية في الواقع تواجه تمييزاً كبيراً. بل وقد التجأ بعض اليهود الإثيوبيين لارتداء أقمصة تصرِّح أنهم ليسوا ملتمسي لجوء أفارقة حتى لا يتعرضوا للهجوم في تل أبيب ومدن أخرى.

وقد يكون من المغري أن نضع رد فعل إسرائيل تجاه أزمة اللاجئين في كفة واحدة مع نظيره في بعض الدول الغربية التي تواجه تدفقات مماثلة، ولكن توجد اختلافات رئيسية بين الطرفين. فإسرائيل دولة تأسست على خطاب ينطوي على مفهوم الخلاص؛ تمثل في فكرة أن الشعب اليهودي الذي عانى لمدة طويلة، والذي يعتبر أفراده لاجئين أزليين عبر التاريخ، قد وجد أخيراً فرصة جديدة للحياة مع قيام هذه الدولة. وتضم بعض من أول القوانين التي فرضت في البلاد ضمانة لأي شخص يهودي أينما كان للحصول على الجنسية الإسرائيلية بصورة تلقائية.

وقد أعلن قادة الدعوة الصهيونية في أوائلها أن إسرائيل ستكون “نوراً للأمم” ومعقلاً للقيم الأوروبية في منطقة الشرق الأوسط. ولكن كلما وُضع ذلك القول المأثور موضع الاختبار، فشلت إسرائيل في أن تثبت أنها في مستوى خطابها الأجوف. فلا يمكن للبلاد أن تدعي انتسابها لمبادئ الإنسانية والليبرالية بينما تدير ظهرها للاجئين اليائسين. لقد سعت الصهيونية لتحرير أحد أكثر الشعوب تغرُّباً في التاريخ، ولكن مشهد اللاجئ الإفريقي المضطهد في شوارع تل أبيب يبيِّن كيف أن تلك الحركة التحريرية قد فشلت في الحفاظ على أي قيمة عالمية.

AFP PHOTO/MENAHEM KAHANA