ماذا تعني استقالة وزير الخارجية الإيراني المُفاجِئة للاتحاد الأوروبي؟

فيصل اليافعي

AFP photo/Christof Sache

خلال مؤتمر ميونيخ للأمن الذي عُقِد في منتصف فبراير الماضي؛ قام وزير الخارجية الإيراني “محمد ظريف” بالصعود إلى المنصة ليقدم التماسًا مليئ بالحماس للاتحاد الأوروبي، كي يفعل المزيد من أجل أنقاذ اتفاق إيران النووي، وأشار “ظريف” إلى أن الاتفاق النووي الإيراني يحتضر، ولو أن الاتحاد الأوروبي يرغب حقًا في إنقاذ الاتفاق النووي فعليه أن يفعل الكثير، وقال “ظريف” إن أوروبا يجب أن تتوافر لديها الإرادة لمخالفة السياسة الامريكية احادية الجانب.

وبعد أسبوع واحد من الملاحظات التي أبداها “ظريف”؛ حدث شيء لم يقله وزير الخارجية الإيراني، وهو ما أثار صدمة واضحة، وقد حدث ذلك حين قام ظريف بالاستقالة من منصبه بشكل مفاجئ، حيث بات واضحًا أن القيادة السياسية الإيرانية باتت تفتقر إللى الصبر أيضًا، وأن “ظريف” كان مُعرّضًا لفقدان الحجة والمنطق خلال النقاشات التي دارت حول الملف النووي الإيراني، ولم يقبل الرئيس الإيراني حسن روحاني استقالة وزير الخارجية، وعاد “ظريف” الذي ظل واجهة للدبلوماسية الإيرانية فترة طويلة إلى العمل بعد إعلان استقالته بيوم واحد.

وتعُد استقالة “ظريف” القصيرة وعودته إلى العمل بمثابة تحذير موجه للاتحاد الأوروبي، ولو أن الدول الأوروبية – خاصة الدول الثلاثة المعنية بالمسألة الإيرانية ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة – تتمتع بالجدية اللازمة لتفعيل الاتفاق النووي حتى بدون مساندة الولايات المتحدة؛ فإن عليها فعل المزيد ويشكل سريع، والواقع أن عدد الإيرانيين الذين يرون في الاتحاد الأوروبي شريكًا موثوقًا فيه بات يتضائل بشكل واضح.

وهناك شكوكًا منتشرة على مستوى العالم العربي والولايات المتحدة حول سلوك إيران، ورغبتها المُعلنة في فرض نفوذها على دول المنطقة، والواقع أن العالم العربي وخاصة دول الخليج، بالإضافة إلى الولايات المتحدة، مقتنعون أن الاتفاق النووي الذي تم التوصُل إليه في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، لم يكن سوى مكافأة لطهران، وأشارت تلك الدول إلى التورُط الإيراني الخارجي في العراق وسوريا ولبنان.

وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي كان قد أعلن عن بعض التحفظات على السلوك الإيراني؛ إلا أن دول الاتحاد ظلّت تتبنّى وجهة النظر القائلة بأن الإبقاء على الاتفاق النووي يعد الآلية الأفضل من أجل الاستمرار في احتواء النظام الإيراني ولو لحد ما. ومن أجل الحفاظ على الاتفاق النووي؛ قامت كل من ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة بتأسيس آلية خاصة للتجارة مع إيران في يناير الماضي، تسمح للشركات الأوروبية ببيع الدواء والطعام والمنتجات الزراعية لطهران مقابل الحصول على النفط الإيراني، ويهدف هذا الإجراء إلى حماية الشركات الأوروبية من العقوبات الأمريكية الخاصة بالتهرُب من تنفيذ الاتفاق النووي مع طهران.

وكانت النتيجة حدوث انقسام بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حيث أن الإدارة الأمريكية تتخذ خطًا متشددًا تجاه إيران، وأن الخطوة الأوروبية الخاصة بالتعامل المادي مع ايران، تمثل خطرًا داهمًا لن تقبل به واشنطن، وستكون النتيجة قيام واشنطن باستهداف الشركات والبنوك الأوروبية الكبرى، التي تتعاون مع إيران، وفرض غرامات هائلة على تلك المؤسسات، وهي الخطوة التي لن تتحملها تلك المؤسسات بأي حال.

والواقع أن هناك مخاطر على الجانب الإيراني أيضًا، لأنه على الرغم من أن الآلية التجارية الجديدة التي تم تأسيسها بين الاتحاد الأوروبي وإيران تنطوي على مسائل معقدة وأمور فنية، إلا أن هناك بُعدًا سياسيًا لتلك الآلية، يتمثّل في إقناع الشعب الإيراني بالفائدة التي ستعود على طهران من وراء الاتفاق النووي.

وكانت تلك هي النقطة التي قام “ظريف” بالتركيز عليها خلال مؤتمر ميونيخ: وقال ظريف أن هناك 51% من الإيرانيين لا يزالون يساندون الاتفاق النووي، لكنه يريد من الاتحاد الأوروبي فعل المزيد، ولكن ما لم يقال هو أن قيام الاتحاد الأوروبي بالإقدام على خطوات أخرى سيكون بمثابة دعم لتيار داخل النظام الإيراني يتعرّض لضغوط من التيار المتشدد، ومن ضمن هذا التيار الذي يتعرّض لتلك الضغوط وزير الخارجية ذاته.

وتصاعدت الشكوك حول موقف الاتحاد الأوروبي، وخلال هذا الإسبوع، خرج إلى العلن خطاب خاص كان المرشد الأعلى قد القاه في منتصف العام الماضي، وأظهر هذا الخطاب كيف أن “علي خامنئي” أثار الشكوك حول نية الاتحاد الأوروبي في مساندة بلاده ضد العقوبات الأمريكية.

وتتمثّل المعضلة الرئيسية أمام الاتحاد الأوروبي في سرعة التحرك، وإلى أي مدى يمكن المضي قدمًا في تحدي الولايات المتحدة، خاصة في وجود رئيس أمريكي متقلب الأهواء ولا يتمتع بعلاقات جيدة مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

والتسويف ربما يدفع بإيران إلى التخلّي عن الاتفاق النووي، لكن إذا سمح الاتحاد الأوروبي لإيران ببيع الكثير من النفط؛ ربما يؤدي هذا بواشنطن إلى خطوة انتقامية تشمل وضع آلية التجارة الجديدة بين أوروبا وطهران ضمن الكيانات المستهدفة بالعقوبات الأمريكية.

علاوة على ذلك، فإن مجرد التعامل مع طهران لا يضمن أي تغيير في السلوك الإيراني، ودائمًا ما تؤكد إيران على التزامها بالاتفاق النووي، وقد قامت وزارة الخارجية الإيرانية في الرابع من مارس الماضي بتذكير الدول الأوروبية بالتصريحات الصادرة عنها “نحن لا نطلب الإذن من أحد فيما يتعلّق بالسياسة الخارجية”، وبمعنى آخر، فإن الآلية التجارية الجديدة يمكن لها فقط إنقاذ الاتفاق النووي، لكن لن يكون لها تأثير يُذكر فيما يخُص التورُط الإيراني في المنطقة، وهي المسألة التي تعُد مصدر قلق للولايات المتحدة والدول العربية.

وتعُد تلك هي مسألة التوازنات الرئيسية بالنسبة للاتحاد الأوروبي، وقد كشفت استقالة “ظريف” عن كيفية نفاذ الوقت بشكل سريع، وهؤلاء الذين يعارضون اتفاق إيران النووي، والذين اجتمعوا في العاصمة البولندية وارسو قبل انطلاق مؤتمر ميونيخ للأمن؛ يعملون سويًا بشكل متزايد. ويوجد العديد من الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، وكذا بينه وبين حلفائه من العرب.

ولو أن الاتحاد الأوروبي صادق فيما يتعلّق بوضع منهج للسياسة الخارجية بمنأى عن الولايات المتحدة؛ فإن عليه أن يفعل المزيد، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى نشوب صراع بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

لكن الاستمرار في التقدم بشكل بطيء لا يعُد بمثابة استراتيجية ناجحة، وكما ظهر خلال الأسبوعين الماضيين؛ فإن الموقف السياسي وكذا موقف الشعب الإيراني يتسمان بالتقلب، وبحلول الوقت الذي يتوصّل فيه الاتحاد الأوروبي لقرار حاسم؛ ربما لن يجد له مؤيدين على مستوى إيران.