العقوبات المفروضة على إيران وأثرها على التجارة العالمية

هاجر حجار الشمالي

اغضبت إدارة ترامب الكثير من الحكومات والشركات الأجنبية بإعادة فرض العقوبات على إيران بخصوص برنامجها النووي، ويحاول الأوربيون والإيرانيون اكتشاف ما إذا كان في مقدورهما الاستمرار بمفردهما في الاتفاق النووي، والذي سبق وتفاوضا بشأنه، بدون الولايات المتحدة الأمريكية أم لا، وبينما يعيش الروس الآن وضعًا حرجًا بسبب مشاكلهم المالية التي يتعين عليهم مواجهتها، فهناك دول الخليج وإسرائيل التي تؤيد جميعها اتخاذ موقف أكثر تشددًا تجاه إيران، ورغم ذلك هناك حاجة إلى معرفة هل سيتغير سلوك طهران فعليًا بسبب إعادة فرض العقوبات عليها، هذا وتشهد منصة التواصل الاجتماعي “تويتر” في الوقت الراهن مشادة كلامية حامية بين الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” والرئيس الإيراني “حسن روحاني” في هذا الشأن.
ويبقى السؤال، ما تأثير تلك العقوبات على الشركات العالمية؟
ورأى المسؤولون الأوربيون وبعض المعلقين الأمريكيين أن شركاتهم المحلية ستتكبد خسائر فادحة بسبب إعادة فرض العقوبات على إيران، بينما استخلص أحد مستشاري الممثلة العليا لدى الاتحاد الأوروبي، فيديريكا موجيريني، ما هو أكثر من ذلك بقوله أن الاتحاد الأوروبي قد يفرض عقوبات على الشركات الأوروبية لحثها على إلغاء التزاماتها مع إيران.
وتستهدف العقوبات التي أُعيد فرضها مطلع هذا الأسبوع منع إيران من استخدام العملة الأمريكية، وحظر التعاملات التجارية الخاصة بالمعادن، وبيع السيارات إيرانية الصنع، فضلاً عن صادرات إيران من السجاد والأغذية، ولن تستطيع إيران مجددًا شراء الطائرات الأمريكية والأوروبية ومكوناتها. وتأتي تلك الإجراءات كإعادة للعقوبات التجارية المرتبطة بالاتفاق النووي والتي فُرضت سابقًا قبل اتفاق العام 2015 والمعروف باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة”. والأكثر أهمية من مسألة إعادة فرض العقوبات هو التحذير الذي أطلقه الرئيس “ترامب” مؤكدًا فيه على أن الشركات العالمية يمكنها المفاضلة بين التعامل مع إيران أو الولايات المتحدة الأمريكية – في إشارة إلى استعداد إدارة “ترامب” إلى فرض عقوبات ثانوية على تلك الشركات التي تتعامل مع الكيانات الإيرانية الخاضعة للعقوبات الأمريكية.
ومع أن الخسائر ستطال بعض الشركات، الا أن أغلبية الشركات مازالت تتجنب التعامل مع إيران بغض النظر عن اتفاق العام 2015 وذلك بسب المخاطر المتعلقة بإقامة تعاملات تجارية مع تلك الدولة، وهناك من الشركات غير الأمريكية من تنأى بنفسها عن التعامل مع إيران والسبب في ذلك ليس الحظر الذي يقره القانون بل تفاديًا لخطر أن تكون في مرمى نظام العقوبات الأمريكية.
وقبل خطة العمل الشاملة المشتركة، تعرض عددًا من البنوك الأوروبية – ومنها “اتش ا س بي سي” و”بي إن بي باريبا” و”ستاندرد تشارترد” – إلى غرامات كبيرة لانتهاكها العقوبات الأمريكية، بينما أوقفت بنوك أخرى كبيرة تعاملها مع إيران. وعقب إقرار خطة العمل الشاملة المشتركة، طلب وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، من البنوك الأوروبية إعادة النظر في إقامة علاقات تجارية أخرى مع إيران، محتجًا بأن إيران استفادت اقتصاديًا من الصفقة التي قد تغير سلوكها إلى الأفضل. هذا وقد نشر ستيورات ليفي، مدير الشئون القانونية لبنك “اتش ا س بي سي هولدينجز”، والمساعد السابق لوزير الخزانة الأمريكية لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب والجرائم المالية، ردًا على السبب وراء حث الولايات المتحدة الأمريكية البنوك الأوروبية على ممارسة أنشطة مالية ماتزال محظورة على البنوك الأمريكية، حيث أشار إلى أن بنك “اتش اس بي سي” سيتخذ قراره في ضوء مخاطر ارتكاب جرائم مالية والسلوك المراقب لإيران، وحتى ذلك الحين مازالت العلاقة التجارية بين البنوك الأوروبية الكبرى وطهران متوقفة.
وبعد إقرار خطة العمل المشتركة الشاملة، بذلت العديد من الشركات العالمية قصارى جهدها للاستفادة من هذه الفرصة، غير أن العديد من تلك الشركات قد تخلت عن تلك الخطة ومنها شركة “توتال” و”بيجو” ودايملر” و”ميرسك” – وأعلنت أن هذا التصرف يأتي بسبب إعادة فرض العقوبات الأمريكية، كما أعلنت عملاق صناعة النفط الروسية شركة “لوكويل” بأنها ستوقف تعاملها مع إيران بسبب العقوبات الأمريكية.
ومنذ أن صدر بيان الرئيس الأمريكي “ترامب” في مايو الماضي، حول إمكانية إعادة فرض العقوبات على إيران، شدد مسؤولو الحكومات الأوروبية على أنهم سيبحثون عن الوسائل التي تستطيع بها الشركات استئناف الأنشطة التجارية مع إيران – ومنها على سبيل المثال، إقامة علاقات بين البنوك المركزية لكلٍ منهما أو من خلال تفعيل “قانون الحجب” [منع الشركات الأوروبية من الالتزام بالعقوبات الأمريكية على إيران]. ورغم ذلك، تبقى الشركات العالمية صاحبة القرار في هذا الأمر، لأنها المعنية في نهاية الأمر بالتجاوب مع العقوبات الأمريكية سواء بشكل قانوني أم لا.
وكما هو متوقع، اتخذت الشركات والبنوك إجراءات صارمة لتفادي مخاطر العقوبات القانونية والإضرار بسمعتها، لأن المخاطر غير المعلومة قد تساهم في إيذاء إقامة علاقات تجارية مع أي شركة إيرانية في الخفاء والتي لن تكون أكبر من المنافع المالية المتوقعة، ومن الخطأ القول بأنه لا وجود لخسائر مالية، فعلى سبيل المثال، ستقوم عملاق صناعة الطائرات الأمريكية “بوينج” إنهاء عقد هام مع إيران بسبب إعادة فرض العقوبات.
وفي نهاية المطاف يتعين على إيران تغيير سلوكها إذا أرادت استئناف العلاقات التجارية. وعلى مدار سنوات عدة، ظلت إيران تنتهج سياسات اقتصادية ضعيفة، وفضلت استخدام الأموال القليلة التي لديها – رغم انهيار الريال وسخط الشعب – لتمويل سلوكها غير المقبول في الشرق الأوسط. وقد أشارت مجموعة العمل المالي – الهيئة الدولية التي تضع معايير مكافحة غسيل الأموال / تمويل الإرهاب – إلى العجز المالي الكبير لدى إيران، حيث طبقت إيران بشكل صادم وعلى مدار سنوات عدة ممارسات مضللة للالتفاف على العقوبات التجارية – وهي الحقيقة التي تعلمها الشركات العالمية علم اليقين.
والسبب في أن موقف الشركات لن يتغير كثيرًا، وبالأخص بعد إعادة فرض العقوبات، هو أن إيران لم تضع أي خطة لتغيير سلوكها.
ورغم القول بأنه قد يكون من الحكمة أن يظل الاتفاق النووي ساريًا والتفاوض على شروطه مع الأخذ في الاعتبار المخاوف الكبيرة لبلدان تلك المنطقة الشاسعة، فان هناك حقيقة وهي أن العقوبات الصارمة قد تم فرضها من جديد– وستلقي بظلالها بغض النظر عن مدى التجاوب الأوروبي معها بسبب قرارات البنوك والشركات الأوربية المستندة إلى المخاطر.
هاجر هجار تشمالي هي مؤسس شركة “جرين ويتش ميديا ستراتيجيز”، وتقلدت مناصب بارزة لدى دائرة الشؤون العامة وصناع القرار في البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الخزانة

AFP PHOTO/ATTA KENARE