السياسة اللبنانية تفقر الشعب اللبناني، فما هو مفهوم التقدم؟

حسين عبد الحسين

AFP Photo: Joseph Eid

بعد ثلاثة أشهُر من استقالة رئيس الوزراء – وهي فترة قصيرة وفقًا للمعايير السياسية اللبنانية – نجح وكيل ايران، أي جماعة حزب الله وحلفاؤه في تزكية رئيس وزراء جديد، والذي قام بدوره بتشكيل مجلس وزراء غير مؤهل بعد مرور 5 أسابيع من تزكيته، وهو وقت قصير للغاية. لكن أنباء تشكيل الحكومة الجديدة فشلت في إيقاف الاحتجاجات الغاضبة التي أدّت إلى استقالة سعد الحريري. وبينما يأمل حزب الله في أن تكون الحكومة الجديدة مرشدًا للجميع، تلك الحكومة التي تضم عددًا غير مسبوق من الوزيرات، فإن ما جذب الانتباه بدلًا من ذلك هو أن كل من انجلترا وكولومبيا وهندوراس قامت بوضع حزب الله على لائحة التنظيمات الإرهابية. والواقع أن قائمة الدول التي قامت بوضع حزب الله على لائحة الإرهاب تتزداد بصورة مستمرة، فاليوم هناك 17 دولة بما فيها الولايات المتحدة و7 دول أخرى من مجموعة العشرين بالإضافة إلى الاتحاد الأوربي وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي تضع حزب الله على لائحة التنظيمات الإرهابية.

و إذا تحدثنا عن الديمقراطية اللبنانية فإن إرادة الشعب لا تساوي شيئًا، وهناك حشد من الساسة، يحصلون على منافع شخصية هائلة عبر مغازلة المافيا الإسلامية التي تمارس الإرهاب بالخارج، وتتعامل مثل قُطّاع الطرق مع المواطنين اللبنانيين، الذين يتعرضون للإفقار بصورة مستمرة، (لذا نحن نريد أن نعرف مجددًا ما هو مفهوم الدولة الفاشلة؟).

وكان الغضب الشعبي قد اندلع في سبتمبر، بعد شهر واحد من بدء انهيار الليرا اللبنانية. أما البنك المركزي اللبناني الذي أصبح خاليًا من احتياطات النقد الأجنبي؛ فقد فشل في أن يحتفظ بثبات الليرا اللبنانية أمام الدولار الأمريكي، وهنا ظهر سعرين مختلفين لصرف الدولار: الأول بصورة رسمية والثاني في السوق السوداء، وشهد اللبنانيون انتقاص في قيمة ثرواتهم جراء ذلك، ومن ثم فقد خرج هؤلاء إلى الشوارع مجددًا، حيث أجبروا حكومة “الوحدة الوطنية” على الاستقالة.

وقد طالب المحتجون بتشكيل حكومة طوارئ من خبراء ليس لهم انتماءات حزبية، لكن حزب الله وهو يعُد بمثابة القوة الدافعة وراء السياسة اللبنانية، قام بتجاهُل تلك الاحتجاجات، حتى أنه أرسل زبانيته للاعتداء على المحتجين. وحينما أصر خصوم حزب الله في البرلمان على النظر لمطالب المحتجين بعين الاعتبار؛ قام حزب الله وحلفاؤه باستغلال الأغلبية المعتدلة من أجل تشكيل حكومة: وتم استدعاء السياسي قليل الخبرة حسن دياب، وقام بتشكيل حكومة يمثل وزراؤها التحالف الذي يقوده حزب الله.

لكن مع تشكيل الحكومة الجديدة استمرت المشكلات القديمة، والواقع أنه لم يعتزم أحد تغيير الحالة الراهنة، وهناك ميليشيا مسلحة خارجة عن إرادة الدولة لا تزال تعيث فسادًا، ونتيجة لذلك فإن اقتصاد البلاد بات مرهونًا بتحويلات اللبنانيين الذين هربوا من البطالة ليعملوا خارج البلاد، (ومن ذا الذي يريد البدء في مشروع جديد – وإيجاد وظائف – وعناصر الميليشيا المسلحة تنطلق حوله في كل مكان بكل حرية !).

وقال غازي وزني وزير المالية الجديد، إن الحكومة الجديدة لن تحاول استعادة قيمة الليرا إلى مستوى أقل من 1500 ليرا للدولار الواحد، وبدلًا من ذلك فإنها ستعمل على الحفاظ على قيمة الليرة الحالية في السوق السوداء وهي 2000 ليرا لكل دولار، وهو ما يعني أن لبنان في ظل وجود حزب الله اعترفت رسميًا بفقدان ثلث ثروة البلاد الداخلية، حتى أن سعر الصرف الجديد الذي وعدت به الحكومة من الممكن أن يكون صعب المنال، وذلك لأن البنك المركزي لا يملك الاحتياطيات النقدية الكافية.

ولا يمكن أن ننتظر خيرًا بينما حزب الله يدير ميليشيا موازية للجيش اللبناني (ويجب أن يكون هناك جيش مؤهل ومؤن كافية وان يتحسن وضعه بشكل عام). والاقتصادات دائمًا ما تكون مشحونة بالمشاعر، والمشاعر الوحيدة التي يوجدها حزب الله هي الخوف والاشمئزاز (لكن مشاعر الخوف باعتراف الجميع أثبتت أنها أكثر قوة).

ولهذا السبب فإن حزب الله لا توجد لديه أية فكرة عن عِلم الاقتصاد، والأمين العام للحزب حسن نصر الله اقترح أن تبيع لبنان منتجاتها إلى العراق وأن تحاول الحصول على الاستثمارات من الصين، لكن على الرغم من انهيار الليرة فإن (الشئ الذي لا يُصدّق) هو أن العراق لايزال في استطاعته الحصول على البطاطس بسعر رخيص من كل من مصر وتركيا، لأنه بالنسبة للصين على سبيل المثال، فإن سوقًا صغيرة فقيرة مثل السوق اللبناني لا يمكن لها أن تفي بالكثير من الوعود، علاوة على ذلك فإن الصين تغرق السوق اللبنانية بالصادرات الصينية، وهناك القليل الذي من الممكن أن تفعله بيكين لمساعدة لبنان على التغلُب على العقبات الاقتصادية، ولا يوجد الكثير الذي من الممكن أن تجنيه الصين إذا ما قررت ضخ الاستثمارات إلى الاقتصاد اللبناني.

وبينما تدور النقاشات داخل البرلمان اللبناني حول برنامج الحكومة الجديدة؛ بغرض التصويت على (الثقة) في الحكومة الجديدة، فإن السياسة اللبنانية ستظل دون علاقة وثيقة بمصير البلاد. وفي ذات الوقت فإن المواطن اللبناني بات مُجبرًا على الشعور بالندم، لأنه يعيش في ظل ديمقراطية صندوق الاقتراع الذي لا يساوي شيئًا، وقيمة الليرا اللبنانية مستمرة في الانهيار، وبينما هناك تنظيمًا إرهابيًا يتبع إيران بشكل كامل ويقود كل شئ إلى الانهيار الجماعي، فإن العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين لن يشهد أية دولة في الشرق الأوسط القديم أو الحديث، يمكن إدارتها بطريقة مثل التي تُدار بها لبنان، وهذا يجعلك تفكر جديًا في معنى المصطلح “تقدُم”.

 

حسين عبد الحسين هو مدير مكتب واشنطن بصحيفة الراي الكويتية اليومية، وهو زميل زائر سابق في معهد تشاتام هاوس ومقره لندن.