ماذا يوجد لدى إرهابي يرتدي بدلة ليقوله حول مستقبل الصراع في سوريا؟

فيصل اليافعي

AFP Photo via Hayat Tahrir Al Sham

تم نشر صورة غير عادية أثارت نقاشات متواصلة داخل أوساط المهتمين بالصراع السوري على وسائل التواصل الاجتماعي، وهي صورة أبو محمد الجولاني قائد “هيئة تحرير الشام”، تلك الجماعة المسلحة التي كانت تتبع سابقًا تنظيم القاعدة والتي تسيطر حاليًا على محافظة إدلب، والتي تعُد بدورها آخر معاقل الثوار التي لم تسقط بعد في أيدي قوات النظام السوري، وظهر الجولاني واقفًا إلى جانب مراسل أمريكي، لكن أكثر ما لفت الانتباه هو ملابس الجولاني، فبدلًا من السترة العسكرية الاعتيادية وقبعة الصلاة الإسلامية وهي الملابس التي اعتاد على ارتدائها؛ ظهر الجولاني مرتديًا بدلة كلاسيكية – وهي المرة الأولى التي يراه فيها مؤيدوه بتلك الصورة، وقد انتشرت الكثير من التخمينات على مواقع التواصل الاجتماعي أن الجولاني يريد إعادة تقديم نفسه على أنه صديق الغرب.

ويجب علينا ألا ننسى أن الجولاني كان أحد أكثر الإرهابيين المطلوبين على مستوى العالم، وقد عرضت الولايات المتحدة مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تساعد في القبض عليه، وإذا كانت هناك ثمة مقارنة؛ لم يكن هناك سوى شخص واحد استحق عرض مبلغ طائل من أجل القبض عليه؛ وهو أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة.

ومسألة إعادة تقديم الجولاني بوصفه شخصية سياسية لا تعُد وليدة اللحظة، فهي تعود إلى الصيف الماضي، ومن خلال وسائل الإعلام التابعة لهيئة تحرير الشام تقمّص الجولاني شخصية رجل السياسة، حيث ظهر وهو يزور المرضى في المستشفيات ويوزع الحساء على الجائعين، ويستمع بانتباه للأسئلة خلال الحوارات الصحفية، ومسألة إعادة تقديم الجولاني تتخطّى مجرد الملابس التي يرتديها أو انتماؤه لجماعة مسلحة، بل أنها تعُد إشارة على تطور هام في مستقبل الصراع السوري خلال الفترة القادمة.

وقد باتت هناك معطيات واضحة تشير إلى أن سوريا سوف تشهد سلامًا باردًا.

ويبدو أن النظام وداعميه الروس يريدون السيطرة على محافظة إدلب وإعادة سكانها البالغ عددهم ثلاثة ملايين نسمة تحت سيطرتهم مرة أخرى، لكن تركيا أيضًا والتي تسيطر على مناطقة محيطة بإدلب لها مصلحة في الدفاع عن أجزاء من تلك المحافظة ضد هجمات قوات النظام، كما أن تركيا لديها قوات داخل إدلب.

واليوم فإن ثمن استعادة تلك المحافظة سيكون باهظًا، وإذا ما اندلع القتال باشتراك الأطراف الثلاثة – دمشق مدعومة بالمقاتلات الروسية وتركيا والجماعات المسلحة مثل هيئة تحرير الشام – فإنه سيكون مُدمِّرًا، وسيؤدي إلى فرار مئات الآلاف على أقل تقدير إلى تركيا ومن ثم إلى أوربا، وسوف تمتد حينها تداعيات القتال إلى خارج إدلب مما يعني أنه لا يوجد طرف من الأطراف المحيطة يريد اندلاع مثل تلك المعركة.

وفي ظل غياب سيطرة النظام أو الوصاية التركية عن إدلب؛ سيظهر الجولاني وهيئة تحرير الشام باعتباره أفضل المرشحين لحُكم تلك المنطقة وبسط “الاستقرار” فيها، وربما يبدو هذا الاحتمال بعيدًا اليوم، لكنه من الممكن أن يصبح حقيقة واقعة في وقت قريب.

ولم يكن أحد ليتصور أن ترضخ تركيا لهذا الأمر مؤخرًا، أو أن تقبل روسيا بمثل هذا الوضع (وقد اعتادت على وضع القادة الأقوياء على رأس الأقاليم مثل الشيشان).

أما موقف الولايات المتحدة فهو أكثر تعقيدًا، وذلك يعود إلى المكافأة التي عرضتها مقابل رأس الجولاني وحقيقة استهداف هيئة تحرير الشام للمدنيين، فضلًا عن التحولات التي باتت تُميّز الحرب الأهلية السورية، لذا فقد بات الموقف قابلًا للعديد من التسويات المتاحة، وحتى في واشنطن فقد باتت الآراء تشهد تحولًا، وخلال الشهر الحالي أصدرت “مجموعة الأزمات الدولية” وهي مؤسسة فكرية تقريرًا؛ أشار إلى أن استمرار التعامل مع هيئة تحرير الشام بوصفها منظمة “إرهابية” بات بمثابة عقبة كبرى… وأن هناك حاجة لأفكار جديدة ترمي إلى الحفاظ على حالة الهدوء الهشة، بما فيها التعامل بشكل مباشر مع قضية هيئة تحرير الشام.

والواقع أن هيئة تحرير الشام بخلاف باقي الجماعات الجهادية قد أثبتت مرونة في التعامل بشكل ملحوظ، وبالعودة إلى العام 2017 فقد توصلت الهيئة إلى تسوية مع تركيا – وهي الدولة التي لا زالت هيئة تحرير الشام تعتبرها “ملحدة”، وقد سمحت تلك التسوية للقوات التركية بالدخول إلى إدلب، ومن حينها عملت هيئة تحرير الشام على زيادة التعاون مع أنقرة، خاصة فيما يتعلّق ب”المناطق الآمنة” على جانبي الطريق الرئيسي المحوري الذي يمر وسط محافظة إدلب ويقسمها إلى شطرين، كما تعمل هيئة تحرير الشام على منع الجماعات المسلحة الأقل قدرًا من مهاجمة النظام السوري.

والواقع أن الطريقة الأمثل لإدراك ما يحدث في إدلب تكمن في تصور البديل: من هو الجيش الذي يمكنه أن يحل محل قوات جولاني؟.

وما الذي يمكن أن يفعله هذا الجيش مع سكان إدلب البالغ عددهم ثلاثة ملايين نسمة، بمن فيهم من أكثر معارضي النظام صلابة؟، وعلينا أن نتذكر أن إدلب تستوعب غالبية الثوار الذين انسحبوا من باقي المناطق، وإذا كان الأمر كذلك فمن الواضح أنه لا توجد مصلحة لتركيا أو النظام السوري في استعادة السيطرة على إدلب بالكامل.

والنظام السوري لا يريد أن يرى ألد أعدائه قابعًا على الحدود السورية، والنظام يسيطر حاليًا على ما يقارب 70% من مساحة البلاد، وعلى الرغم من صعوبة التحقُق من الرقم بشكل دقيق إلا أنه يجب أن نأخذ في الحسبان ما يقارب سبعة ملايين من السوريين باتوا لاجئين خارج البلاد، وهو ما يقارب نصف تعداد سكان سوريا، ومن ثم فإن الغالبية العظمى من السوريين تعيش في مناطق خاضعة لسيطرة النظام بما فيها جميع المدن الكبرى، ومن وجهة نظر النظام من الأفضل ترك الباقين يتضورون جوعًا في الخارج وأن يعودوا بأعداد ضئيلة على مدار السنين، وأن تبقى هيئة تحرير الشام على موقفها من احتواء الجماعات المسلحة الأخرى.

وتركيا لديها ما يكفيها من المشكلات مع اللاجئين السوريين، والمؤكد أن أنقرة لا تريد المزيد من اللاجئين، خاصة بالنسبة لهؤلاء الذين لديهم خبرة قتالية طويلة والموجودون حاليًا في إدلب، وكما أشارت صحيفة نيويورك تايمز فإن القوات التركية تعمل حاليًا على حماية خمسة ملايين من المدنيين السوريين، لذا فإن أنقرة لا تريد أن تتحمّل مسؤولية ثلاثة ملايين آخرين.

وربما يأتي الحل عبر رجل صعب المراس يرتدي بدلة، ومما يدعو إلى الذهول والرعب في آن واحد هو أن تتدهور الحرب الأهلية السورية إلى هذا الحد، حيث توجد جماعة مسلحة قتلت وهجّرت المدنيين وهدمت المنازل وقامت بتنفيذ إعدامات علنية؛ الا انه من المحتمل ان يتم الإشادة بها قريبًا باعتبارها قوة سوف تساهم في “الاستقرار”.

وهذا هو الجزء الصادم في القصة: ولا يتعلّق الأمر بأمريكي تم التقاط صورة له مع إرهابي يرتدي بدلة، لكنه يتعلّق بعدد من ستتوافر لديهم الإرادة للوقوف بجانب جولاني وفعل ذات الشئ خلال السنوات القادمة.

 

يقوم فيصل اليافعي حالياً بتأليف كتاب حول الشرق الأوسط، كما أنه يظهر كمعلق بشكل متكرر على شبكات التليفزيون الإخبارية الدولية، وقد عمل بالعديد من وسائل الإعلام المعنية بالأخبار مثل غارديان و”بي بي سي” وعمل مراسلاً بالشرق الأوسط وشرق أوربا وآسيا وأفريقيا.