دول غرب القارة السمراء تعجز عن وقف تنامي التمرد الجهادي

فيصل اليافعي

Image courtesy of Francois Rojon / AFP

مددت دولة توغو الواقعة في غرب إفريقيا حالة الطوارئ لمدة ستة أشهر أخرى في الأسبوع الماضي، وكانت البلاد قد أعلنت حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر في المنطقة الشمالية في شهر يونيو بعد أن هاجم متشددون موقعًا عسكريًا وقتلوا بعض الجنود، وكان ذلك الهجوم هو الأول من نوعه داخل توغو منذ بدء هجمات الجهاديين في المنطقة بشكل عام في منتصف عام 2010، واستمرت المزيد من الهجمات في الأسابيع التي تلت ذلك.

وتعد توغو الآن آخر دولة في غرب إفريقيا تتعرض لهجوم إرهابي قاتل، وما بدأ كتمرد في بلدان الساحل، وهي حزام من الدول الواقعة تحت الصحراء الكبرى، انتشر ببطء وبلا توقف جنوبًا إلى البلدان الساحلية، حيث هاجم المسلحون ساحل العاج وبنين.

وهو تمرد مسلح لا يُظهر أي مؤشرات للتراجع، ويبدو أن الدول عاجزة عن إيقافه، إن مرونة المسلحين، فضلاً عن المساحات الشاسعة التي تشرف عليها الحكومات بصعوبة والحدود التي يسهل اختراقها بعيدا عن المدن الرئيسية، كل ذلك يعني أن الحكومات في وضع دفاعي مستمر، وغير قادرة على الحفاظ على الأمن وغير قادرة على التنبؤ بمصدر الهجوم التالي.

وكان سبب انتشار الجهاديين في المنطقة هو عدم الاستقرار السياسي، حيث عانت جميع بلدان الساحل من أزمات متلاحقة لسنوات مثل الاضطرابات السياسية وضعف الحكم والأزمات الغذائية وتغير المناخ، وكل أزمة من تلك ضاعفت حدة الأزمات الأخريات، وأصبح من الصعب الوصول على حلول سياسية.

ولكن عدم الاستقرار هذا يتوسع الآن، بل ويقوض الهياكل والتحالفات السياسية ذاتها التي كان من المفترض أن تقدم حلاً.

وسحبت فرنسا أخيرًا جميع قواتها من مالي في الشهر الماضي فقط، وكانت القوات الفرنسية في مالي منذ ما يقرب من 10 سنوات كجزء من عملية برخان، ولكن بعد انقلاب عسكري قبل عامين، تدهورت العلاقات بين البلدين.

وكان التدهور على الصعيد السياسي بالطبع، لكن كان وراؤه شعور شعبي، حيث تتصاعد المشاعر القومية في العديد من بلدان الساحل، وشعرت الشعوب أن حكوماتهم لا يمكنها إنهاء العنف وأن الحكومات الخارجية تتدخل فقط، ولا تزال ذكريات التدخل الغربي والفرنسي التاريخية حاضرة.

ومالي هي الدولة الوحيدة إلى الآن التي أمرت القوات الفرنسية بالخروج، لكن الاحتجاجات المناهضة لفرنسا اندلعت في كل بلد من بلدان الساحل، وخاصة تشاد والنيجر، حيث يتركز الآلاف من القوات الفرنسية الآن، ونظرًا لتراجع الدعم الشعبي في فرنسا، فلن تكون مالي هي آخر دول الساحل التي تطلب من الفرنسيين المغادرة.

وليس من المعروف بعد مدى رضى تلك الجماهير عن حكوماتها؟ ويرجع جزء من سبب قبول الشعب لانقلاب مالي 2020 إلى أن الحكومة السابقة كانت ضعيفة وغير قادرة على وقف العنف، وكان نفس المنطق وراء الانقلاب الذي وقع في شهر يناير من هذا العام في بوركينا فاسو المجاورة، ومع ذلك فإن حكم القادة العسكريين، أو كما هو الحال في توغو التي أعلت حالة الطوارئ لمدة طويلة، لا يبدو أنه يخفف أو ينهي العنف.

وتبحث الدول عن تحالفات سياسية جديدة بدلاً من السابقة، حيث رحبت مالي بوجود مرتزقة روس، رغم أن الحكومة تصر على أنهم مجرد مدربين عسكريين، وفي الأسبوع الماضي، اعترفت بنين بأنها تجري محادثات مع رواندا، وهي دولة تبعد أكثر من 3000 كيلومتر عنها، للمساعدة في وقف الجهاديين.

إن مرونة المتمردين وعدم اليقين في التحالفات السياسية يساهمان في الشعور باليأس، والشعور بأن الدول تحاول أي شيء ولو بصورة مجزئة لإنهاء العنف فقط. ما نحتاجه هو استراتيجية متكاملة، ولكن في منطقة شاسعة مثل غرب إفريقيا، هناك ببساطة الكثير من الأماكن للاختباء، ويمكن للمسلحين الحصول على أسلحة ومواد في بلد ما، والتجمع في دولة أخرى، والتخطيط لشن هجمات في دولة ثالثة.

ومع ذلك فإن العوامل نفسها التي سمحت للتمرد بالانتشار تجعل منه بالغ الخطورة، فالحدود كبيرة وسهلة الاختراق، ويعيش أكثر من نصف سكان غرب إفريقيا في المناطق الريفية. إن عدم الاستقرار وانتشار الجوع، في ستة بلدان على الأقل في المنطقة حيث يحتاج الملايين إلى المساعدة، يعني أن السكان في حراك مستمر، ومع اقتراب الهجمات من المناطق المأهولة بالسكان على الساحل، وخاصة نيجيريا التي يبلغ عدد سكانها أكثر من 200 مليون، تزداد احتمالية زعزعة استقرار تحركات الأهالي.

وبناء على ما سبق، فإن تمديد حالة الطوارئ هو أكثر من مجرد غطاء سياسي لوضع خطير، لكن مع عدم وجود خيارات كافية، فإن دول المنطقة تستعد لمزيد من الهجمات.

 

يعمل فيصل اليافعي حاليًا على تأليف كتاب عن الشرق الأوسط وهو معلق متكرر الظهور على شبكات الأخبار التلفزيونية الدولية، وعمل لقنوات إخبارية مثل “ذا قارديان” و “بي بي سي” ونشر تقارير عن الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا. تويتر:FaisalAlYafai