الاعتماد على المعلومات المغلوطة والتحلي بالسذاجة المطلقة، أمر يحول دون التطعيم من الأمراض

جوناثان جرونال

مع دراسة الخريطة العالمية التي أعدها التحالف العالمي للقاحات والتطعيم بخصوص الأمراض العالمية التي يمكن الوقاية منها باللقاح، وعلى سبيل المثال مرض الحصبة، فبالنظر الى هذا المرض، يمكننا ان نستنتج ان العالم يئن تحت رحمة الوباء، وهذه هي الحقيقة، الا أن الوباء الذي يضرب أركانها ليس وباء “الحصبة”، فهذا القول يعد من السذاجة، فالشرق الأوسط ليس محصنًا من الأوبئة.

وكذلك بلدان العالم المتقدم. ففي إنجلترا، انخفض معدل حقن الأطفال بلقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية للعام الرابع على التوالي، وألقى مسؤولون بالصحة العامة، ممن يشعرون بالقلق حيال هذا الأمر، باللوم على عودة الدعاية الإعلامية المناهضة للقاح والتي تستند إلى إحدى الأوراق البحثية المضللة والمفتقدة للمصداقية والتي نُشرت منذ عشرين عامًا مضت وتكتسب الآن مصداقية بين مرتادي الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

وفي مطلع هذا الشهر، أشار “سيث بيركلي” المدير التنفيذي للتحالف العالمي للقاحات والتطعيم، خلال القمة المنعقدة في أبو ظبي إلى الخطر المتزايد “لمرض المعلومات المضللة”. ويرى هذا التحالف، وهو مجموعة من الهيئات الحكومية والخاصة العاملة في مجال الصحة والتي تسعى إلى القضاء على الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاح، أن المعلومات المضللة سببًا في الكثير من المشكلات الموجودة في الدول النامية” وذلك في ظل انتشار استخدام الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي.

وتستخدم الدول الفوضوية أيضًا المعلومات الطبية المضللة ولكن بشكل خاطئ. وقال “بيركلي” أن برنامج “بوت” الروسي كان يُستخدم لإثارة الارتباك أثناء الانتخابات في البلاد، ويجري الآن استخدامه على الشعارات المناهضة للتحصين”، والسبب في ذلك حالة الاضطراب التي تحدث داخل المجتمع بسبب هذا المجتمع إذا تفشى مرض ما أو فقد المرء الثقة.

يتضح أيضًا أن هناك ارتباط متنامي بين الشعبوية والحركات السياسية المناهضة للمؤسسية وما تسمى بالحركة “المناهضة للقاح”. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، وضع دونالد ترامب ثقته في الحركة من خلال تغريداته الدائمة على تويتر والتي يشير فيها إلى إيمانه بأن ثمة رابط بين اللقاحات ومرض التوحد. وفي شهر أغسطس، ألغت الحكومة الإيطالية قانونًا كان يلزم الآباء بتحصين أطفالهم ضد عشرة “10” أمراض، وهي خطوة من شأنها أن تدحض تمامًا الدليل السائد بأن اللقاحات آمنة وفعالة وأنقذت ملايين الأرواح.

وفي هذا العصر الذي يشهد تطورًا في وسائل النقل العالمية، ستتجاوز تداعيات تلك السذاجة حدود أي دولة في العالم.

إن الوصول بمعدل التطعيم إلى “95%” من الأطفال ليس هدفًا عشوائيًا، لأن التطعيم يوفر “مناعة جماعية” وهو ما يجعل انتشار المرض بين أفراد أي مجتمع أمرًا صعبًا – والأهم من ذلك، أنه يمنع أفراد هذا المجتمع من إصابة أفراد المجتمعات الأخرى الذين يتواصلون معهم.

وتتصدى بلدان شرق المتوسط الأعضاء في منظمة الصحة العالمية والبالغ عددهم “22” دولة لمرض الحصبة منذ 1997، وذلك بعد اتفاقهم على القضاء على المرض مع حلول العام 2010. ورغم ذلك أصبحت تلك المهمة معقدة بسبب سلسلة من النزاعات والحركات الجماعية من اللاجئين، ولم يبقى أمام المنطقة الآن سوى الإصابة بوباء المعلومات المغلوطة.

وفي بادئ الأمر، بدا أن المنطقة تمضي بخطى واثقة نحو تحقيق هدفها. وفي العام 2013، بلغ معدل التحصين “95%” أو أكثر في إحدى عشرة “11” دولة من أصل “22” دولة، و90-94% في دولتين، وما بين 46 و85% في الدول التسع الباقية، وبعدها توقف الأمر. ولم تحقق الدول الأهداف المخطط لها لعام 2010، وزادت المدة المقررة لتحقيق الأهداف حتى العام 2015، لكنها فشلت مرة أخرى في تحقيق المستهدف. والآن تركز الدول على تحقيق أهدافها في العام 2020، بينما تقول منظمة الصحة العالمية أن المنطقة من غير المحتمل أن تحقق هدفها في تلك الفترة.

ويجب أولاً توضيح معنى “الفشل”. فهناك أكثر من 400 مليون نسمة في المنطقة قد حصلوا على التطعيم عندما كانت الفترة المستهدفة هي “1997”. وفي العام 2000، حصد مرض الحصبة أرواح حوالى “43,000” نسمة من سكان المنطقة، و24,000 نسمة في العام 2008، بانخفاض قدره “43%”. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أنه منذ العام 2000، تعافى من المرض ما يربو عن 2,4 مليون نسمة.

بيد أن هذا النجاح هشًا. ويتضح أثر الاضطراب المجتمعي في الفجوة بين معدل التحصين ضد الحصبة بين الدول المستقرة في المنطقة وبين الدول الغارقة في مشاكلها. فعلى سبيل المثال، بلغ معدل التطعيم في دولة الإمارات العربية المتحدة حوالى “95%” منذ حوالى منتصف التسعينات، و”99%” منذ العام 2014. والوضع نفسه في الخمس دول الأخرى في مجلس التعاون الخليجي. بيد أن الأمر يختلف كليًا في الدول التي تضررت من الحرب وأصبحت عرضة للحركات الجماهيرية الشعبوية.

وحتى حلول العام 2010، شهدت سوريا ارتفاعًا في معدلات التطعيم الخاصة بأحد عشر “11” لقاحًا، وبلغ متوسط معدل التطعيم ما يزيد عن “80%”. ورغم ذلك، ذهبت تلك المكاسب أدراج الرياح. وفي العام 2017، انخفضت نسبة التطعيم ضد مرض الحصبة لتصل إلى “67%” بخصوص أول التطعيمين المطلوبين، و”59%” لثاني التطعيمات. وما يدعو أكثر للقلق هو أن معدلات التطعيم الثلاثي ضد أمراض الخناق والسعال الديكي والتيتانوس قد انخفضت لتسجل “48%” فقط.

وفي العراق، والتي شهدت انخفاضًا مماثلاً في معدلات التطعيم أثناء سنوات المجاعة الأسوأ من نوعها، فهناك مؤشرات على أن معدلات التطعيم تعود إلى سابق عهدها بوجه عام. ورغم ذلك، وبخلاف التطعيم ضد مرض السل، والذي بلغت معدلاته “99%” في 2017، مازالت معدلات تطعيم جميع اللقاحات الأخرى دون النسبة المستهدفة وهي “95%”.

ومنذ أن بدأ التحالف العالمي للقاحات والتطعيم عمله في العام 2000، ساهم هذا التحالف في تحصين 700 مليون طفل، وساعد الدول النامية على إنقاذ حياة أكثر من عشرة “10” ملايين شخص.

بيد أنه ولأسباب عدة منها التقاعس الحكومي والنزاعات، وآخرها ظهور نظريات المؤامرة غير المسؤولة، مازال الأطفال يعيشون حياة بائسة أو يحتضرون بسبب الأمراض التي لابد من القضاء عليها. وفي العام الماضي، لم يحصل على التطعيم “20” مليون طفل، ونتيجة لذلك، توفى “1,5” مليون طفل.

إن المسؤولية الأخلاقية تحتم علينا جميعًا، أفرادًا وحكومات، أن نضمن أن كل طفل، سواء في الدول الغنية او الفقيرة، قد حصل على التطعيمات اللازمة، ومن يرفض هذا سواء كانوا آباء أو حكومات فهم أعداء للأطفال والمجتمع، بل عدوًا للعالم بأسره.

Photo by Mohammed HUWAIS/AFP