هل غيرت رحلة الرئيس الصيني “شي جين بينغ” إلى السعودية قواعد اللعبة؟

يون صن

Image courtesy of - SPA / AFP

يقول المثل في عالم الجغرافيا السياسية، لا يوجد أصدقاء دائمون أو أعداء دائمون، بل مصالح دائمة. وفي أغلب الأحيان، تتطلب العلاقات الثنائية ضبط الموازين بصورة مستمرة من كلا الجانبين. وذلك هو شأن علاقة الصين مع القوى العظمى الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة وروسيا، كما ينطبق الأمر نفسه على علاقة الصين بالقوى المختلفة في الشرق الأوسط، مثل المملكة العربية السعودية.

وقيل الكثير عن الأهمية الاستراتيجية للزيارة الدولية الأخيرة التي قام بها الرئيس الصيني شي جين بينج إلى المملكة العربية السعودية، والتي حضر خلالها أيضا القمة الصينية العربية الأولى والقمة الصينية الخليجية، وتعمل الصين على توسيع نفوذها في المنطقة والتي لا تزال واحدة من أكثر المناطق أهمية من الناحية الاستراتيجية في العالم بفضل ما تحويه من مصادر الطاقة.

ومع تراجع الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، نظرت الولايات المتحدة إلى علاقات الصين مع المملكة العربية السعودية، وهي حليف واشنطن منذ فترة طويلة، ومع دول الخليج الأخرى، بعين الريبة والشك. والتناقض بين الاستقبال الكبير ورفيع المستوى الذي قدمته الرياض للرئيس الصيني مقارنة بالرئيس الأمريكي، وهي الزيارة التي تم التقليل من شأنها في وقت سابق من الصيف، كل ذلك يوضح صعود الصين السريع في الشرق الأوسط. وهو صعود قد يحل محل الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى الخارجية الأبرز في المنطقة.

وقربت العديد من الاعتبارات العملية الصين والمملكة العربية السعودية، ودول الخليج الأخرى. وباعتبارها أكبر مستورد للنفط الخام، تعد الصين أكبر شريك تجاري للمملكة العربية السعودية. وأدت الحرب الروسية في أوكرانيا إلى ارتفاع أسعار الطاقة وأثارت أزمة في الإمدادات، مما دفع الصين إلى ممارسة الضغوط لحماية مصادرها من النفط الخام، وعليه ليس هناك شك في أن العلاقات بين الصين والدول العربية ستستمر في النمو. وتعد الصين أكبر مستهلك لنفط الشرق الأوسط، حيث تأتي 47 في المئة من وارداتها النفطية من المنطقة، ومع تعرض أمن الطاقة للخطر، فإن الصين مهتمة في استقرار دول الخليج والسلام والأمن بشكل عام في الشرق الاوسط، وتخشى الصين من أن الولايات المتحدة لديها القدرة على عرقلة إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط، وبالتالي ترى بكين حاجة ماسة لتعزيز نفوذها في المنطقة.

وتأمل الصين في الوصول إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2060، وهو ما يتماشى مع رغبة المملكة العربية السعودية في النأي بنفسها بعيدا عن الوقود الأحفوري والتحول إلى طاقة أكثر اخضرارا، مثل الهيدروجين والطاقة الشمسية. كما تستثمر المملكة العربية السعودية بصورة كبيرة في مشاريع البنية التحتية الجديدة، مثل تلك المتعلقة بمدينة نيوم الضخمة، ويوفر ذلك فرصا تجارية كبيرة للصين، التي تملك خبرة واسعة في بناء مشاريع واسعة النطاق في جميع أنحاء العالم.

لقد استمر التحالف المتواصل منذ عقود بين واشنطن والرياض على الرغم من الاختلاف الجوهري بين أنظمة الحكم بينهما، ولكن كانت هناك أوقات تسبب فيها ذلك في حدوث بعض الاحتكاكات، ومن ناحية أخرى، تتبع الصين مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، ولذلك فإن السياسة الداخلية لدول الخليج لا تمثل أي مشكلة بالنسبة للصين.

ولكن إلى جانب مصالحهما المشتركة، من المهم أيضا فهم القيود المفروضة على العلاقات الصينية السعودية، خاصة فيما يتعلق بوتيرة ونطاق التعاون الذي سيتابعانه. وبالنسبة لصفقات الاستثمار التي بلغ عددها أربع وثلاثون صفقة والتي وقعها الجانبان خلال زيارة الرئيس الصيني، فمن غير الواضح تماما طبيعة الترتيبات لتلك الصفقات والدول المعنية.

والأمر الأكثر إثارة للاهتمام هو الخطة الصينية لاستخدام عملتها الخاصة “اليوان” بدلا من الدولار، لدفع قيمة النفط والغاز من دول الخليج. وقال الرئيس الصيني “شي” إن الصين ستستخدم بورصة شانغهاي للبترول والغاز الطبيعي لذلك الغرض، وهي منصة وطنية لتجارة الطاقة تدعمها الدولة، وستشكل تلك الخطوة تهديدا لهيمنة الدولار على سوق النفط العالمية، وتم نشر الأخبار حول استخدام اليوان الصيني في وقت سابق من هذا العام مع فتور علاقة المملكة العربية السعودية مع الولايات المتحدة. ونظرا لرغبة الصين في تعزيز عملتها للمدفوعات العالمية وأهمية تجارة الطاقة الصينية مع دول الخليج، فمن الواضح سب ضغط الصين من أجل تحقيق ذلك الهدف.

ومع ذلك، لا يبدو أن المملكة العربية السعودية قد تبنت ذلك الاقتراح، كما خفضت وسائل الإعلام الصينية من حماسها لهذه الخطوة، مدركة أن تجارة الطاقة تخضع بشدة للقيود التي تفرضها الجغرافيا السياسية، ويبدو من غير المرجح الآن أن تقدم الصين نفس المقترح في المستقبل القريب.

وبينما تمد دول الخليج الجسور مع الصين، فإنها لا تزال تحتفظ بعلاقات مهمة مع الولايات المتحدة، ربما تتغير الديناميكيات الإقليمية والسياسة الداخلية، ولكن من السابق لأوانه الاعتقاد أن الصين على بعد خطوات من إزاحة الولايات المتحدة كضامن للأمن في المنطقة. ويتضح ذلك في افتقار الصين إلى المشاركة الهادفة في الأمن الإقليمي، لقد طورت بكين رغبة واعدة للعب دورا أكثر نشاطا، ولكن يبقى أن نرى نتيجة فعالة.

وهناك حدود أخرى مهمة لدور الصين في الشرق الأوسط، وهي في تقاليدها فيما يخص الموازنة الدبلوماسية. حيث ظلت الصين محايدة بين المملكة العربية السعودية وإيران لسنوات عدة، وبين إسرائيل وفلسطين. ومع تزايد انخراط بكين السريع مع دول الخليج، فإن السؤال هو ما إذا كانت الصين قد تخلت عن هذا النهج، ومن المحتمل أن تكون الصين قد اعتبرت اتفاقية تعاون مدتها 25 عاما تم توقيعها في مارس 2021 مع إيران بمثابة ضمان كاف لطهران بأن بكين لا تزال تسعى إلى إقامة علاقات وثيقة مع كلا المعسكرين. ومع ذلك، فقد غضبت إيران من الإشارة إلى نزاعاتها على الجزر مع الإمارات العربية المتحدة في البيان المشترك بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي، وحاولت الصين التعويض عن طريق إرسال نائب رئيس مجلس الدولة “هو تشون هوا” إلى إيران في نفس اليوم، ولكن مع تنحي “هيو جين تاو” عن المكتب السياسي، فإن الأهمية السياسية التي يحملها محدودة.

وبهذا المعنى، فإن ما إذا كانت رحلة الرئيس الصيني “شي” إلى المملكة العربية السعودية تشير إلى تغيير مسار عن النهج التقليدي للصين ستكون قضية رئيسية في المستقبل، إذا بدأت الصين في تفضيل جانب على جانب، فسوف تفقد واحدة من أهم الأدوات الدبلوماسية التي ساهمت في نجاحها الدبلوماسي في المنطقة.

  

يون صن هو مدير برنامج الصين والمدير المشارك لبرنامج شرق آسيا في مركز ستيمسون في واشنطن العاصمة.