الخاسر الأكبر من النزاع الأمريكي التركي حول منظومة الصواريخ الدفاعية هو الاتحاد الأورب

فيصل اليافعي

AFP Photo: Alexander Nemenov

لا توجد شواهد على أن الحرب الكلامية العنيفة التي اندلعت بين أنقرة وواشنطن، بسبب قيام تركيا بشراء منظومة الصواريخ الروسية “إس 400” في طريقها للهدوء، وخلال هذا الشهر؛ قامت واشنطن بالإعلان عن أخطر التهديدات على الإطلاق؛ حين حذّر “مايك بنس” نائب الرئيس الأمريكي من أن على تركيا الاختيار بين حيازة منظومة الصواريخ الروسية “إس 400” وبين الاستمرار في عضوية حلف شمال الأطلنطي (ناتو).

وعلى الجانب الآخر من الأطلنطي فإن القادة الأوربيين والاتحاد الأوربي اتسم رد فعلهم بالهدوء الذي يدعوا للتعجب فيما يتعلّق برد فعلهم على مسألة منظومة صواريخ “إس 400″، لكن هذا النزاع بين واشنطن وأنقرة حول تلك المنظومة سيكون له تبعات خطيرة تطال أوربا ودول الاتحاد الأوربي، إن هذا النزاع يهدد بتدمير التحالف الذي يهدف في المقام الأول إلى حماية أوربا، كما أن هذا النزاع يدفع بعضو بارز (أنقرة) إلى التخلّي عن حلف الناتو ومن ثم التقارب مع روسيا، ولتلك الأسباب، وعلى الرغم من الشعور المنطقي بالنفور الذي ينتاب العواصم الأوربية تجاه كل من دونالد ترامب ورجب طيب أردوغان؛ فإن الاتحاد الأوربي بات عليه الإقدام على خطوة حيوية تتمثل في التوسُط من أجل إنهاء هذا النزاع.

والنزاع حول منظومة صواريخ “إس 400” له جانب عسكري، لكن النزاع يعد سياسيًا في المقام الأول، وهناك قلق من أن تنجح الرادارات الروسية التي تتألف منها تلك المنظومة في كشف مقاتلات F-35الأمريكية أثناء عبورها إلى داخل أو خارج الأجواء التركية، مما يعد كشفًا لسر أكثر المقاتلات تطورًا في ترسانة حلف الناتو.

لكن القضية الأساسية بالطبع قضية سياسية، وهي مسألة ثقة، فمنذ الإعلان عن شراء تلك المنظومة في العام 2017 كانت هناك محاولات لإثناء أنقرة عن تلك الصفقة، لكن الآن تحولت تلك اللغة بشكل متزايد إلى التهديد: وقالت وزارة الدفاع الأمريكية (بنتاجون) إن أنقرة ستواجه “عواقب وخيمة”، من ضمنها – وليس جميعها – وقف التعامل مع تركيا فيما يخص برنامج طائرات F-35(مما سيؤدي إلى عواقب خطيرة تطال الأمن الأوربي)، حتى أنه من الممكن للكونجرس فرض عقوبات على تركيا بسبب تعامل الأخيرة مع روسيا في مجال الصناعات الدفاعية، وفي غضون أسابيع؛ ومع اقتراب موعد تسليم منظومة الصواريخ والمقرر له يوليو القادم فقد تصاعد النزاع بين كل من واشنطن وأنقرة، والحقيقة المُلفِتة للنظر هي كيف يمكن لمسألة عسكرية ذات طابع خاص؛ أن تتحول إلى شكوك حول مستقبل تركيا كعضو في حلف الناتو منذ تأسيسه.

وحتى الآن؛ فإن العواصم الأوربية والاتحاد الأوربي احتفظوا بهدوئهم، حتى أن حلف الناتو قد أحجم عن التورط في هذا النزاع: وخلال رحلته إلى واشنطن مطلع شهر يناير التي جاءت بمناسبة مرور 70 عام على تأسيس حلف الناتو لم يذكر أمين عام الحلف “ينس ستولتنبرج” شيئًا عن تلك القضية، هذا فضلًا عن الخلافات التي دبت بين أعضاء الحلف، وقد باتت الولايات المتحدة حرة الحركة خاصة فيما يتعلق بقيامها باتخاذ موقف متشدد من قضية دعمها لحلف الناتو، حتى أن الأمر قد وصل إلى نوع خاص من السخرية سمح للرئيس الأمريكي بنشر تعليقات تنم عن ازدراء الحلف.

وأحد أسباب التردد الأوربي ربما يعود إلى عدم الرغبة في دعم دونالد ترامب بشكل علني، والطريقة التي استخدمتها إدارة ترامب من أجل التعامل مع أزمة أنقرة تعكس افتقار الدبلوماسية فيما يخص التعامل مع الدول الأوربية: وقد باتت مسألة عرض المطالب وتوقُع قيام الأوربيين بتحقيقها هي طريقة تعامل واشنطن حتى مع أقرب حلفائها.

وسواء تعلّق الأمر بتصريحات ترامب خلال أول قمة يحضرها للناتو والتي أشار فيها إلى أن الدول الأوربية مدينة للولايات المتحدة “بمبالغ ضخمة”، أو قيامه بمهاجمة ألمانيا مًتهِمًا برلين بأنها أصبحت “أسيرة لدى روسيا” بسبب مشروع خط أنابيب الغاز “نورد ستريم 2″؛ فإن الإدارة الأمريكية الحالية أحرزت رقمًا قياسيًا فيما يخص إعطاء التعليمات والتعامل بفظاظة مع الحلفاء (تمامًأ كما حدث مع رئيس وزراء جمهورية الجبل الاسود حين قام ترامب بإزاحته بيديه ليتخطاه في الصف).

وبينما يتصاعد النزاع حيث باتت تركيا أقرب إلى التهميش داخل حلف الناتو أو ترك الحلف بالكامل؛ فإن الخاسر الأكبر من تلك العملية هو الاتحاد الأوربي، وبدون وجود جيش أوربي موحد يظل حلف الناتو عنصرًا أساسيًا فيما يخص حماية الأراضي الأوربية، أما تركيا وعلى الرغم من تراجعها في المجال الديمقراطي إلا أنها تعد بمثابة عنصرًا حيويًا لأمن القارة الأوربية، ومسألة وجود تركيا خارج حلف الناتو يجب ألا تمر حتى بخيال أوربا، فهي تعني التخلّي عن أكبر الجيوش الموجودة على المحيط الأطلنطي، وكذا فإنها تعني التنازل لروسيا بشكل شبه كامل عن منطقة البحر الأسود المتنازع عليها، كما أن تلك العملية سيكون لها أثرًا سلبيًا على حلف الناتو الذي سيفقد ميزة استخدام القواعد العسكرية التركية، وكذا فإن الحلف سيفقد التواجد في أقصى الخطوط على الجبهة الشرقية المواجهة لروسيا والمتمثلة في مدينة قونيا التركية، كما أن ذلك يعني عدم الاستفادة من النفوذ التركي في منطقة الشرق الأوسط، وكذا على وجه الخصوص في منطقة البلقان التي تسعى روسيا من خلالها إلى تدمير الاتحاد الأوربي.

علاوة على ذلك، فإن تلك العملية ستكون بمثابة فشلًا سياسيًا من الطراز الأول، فربما تميل تركيا إلى الجانب الروسي فيما يخص تلك القضية (البلقان)، كما أن أنقرة تتعاون مع موسكو على الأراضي السورية، وعملية قيام تركيا بالتخلي عن حلف الناتو والاتحاد الأوربي هي فكرة مُبالغ فيها، وطالما كرر وزير الخارجية التركي هذا الشهر تصريحاته بأن أنقرة (اتخذت قرارها منذ زمن طويل) بالتحالف مع حلف الناتو والاتحاد الأوربي، وعملية طرد تركيا من حلف الناتو ستكون بمثابة حلم بغيض تحوّل إلى حقيقة، حتى أن عملية إبعاد تركيا عن الاشتراك في برنامج المقاتلة F-35سيكون له تبعات، حيث ستلجأ أنقرة إلى شراء المقاتلة الروسية “سو-57” التي تعد ندًا لمقاتلة F-35الأمريكية.

ومما لا شك فيه أن هذا الخلاف تطوّر إلى الأسوأ بسبب سلوك الرئيسين “دونالد ترامب” و”رجب طيب أردوغان”، ولم يُظهِر ترامب الكثير من الندم فيما يخص التهديدات التي أطلقها أو العقوبات التي قام بفرضها على دولة حليفة وعضو في حلف الناتو، وقد كانت لدى أردوغان فرصة لتلطيف الأجواء خلال العام الماضي حين قامت واشنطن بعرض يتضمن بيع صواريخ باتريوت لأنقرة، لكن أردوغان رفض هذا العرض.

لكن المسألة أكبر من أن تتمحور حول أشخاص، وقد بات من مصلحة قادة أوربا الضغط عل أنفسهم من أجل تسوية الخلافات مع أعضاء الناتو الذين يتسمون بصعوبة المراس.