تريد الولايات المتحدة إعادة ضبط العلاقات مع القارة السمراء، فهل فاتت الفرصة؟

جوزيف دانا

Image courtesy of Andrew Harnik / various sources / AFP

لم تكن العلاقة بين الولايات المتحدة وأفريقيا في أحسن حالاتها على مدى السنوات الأخيرة، حيث تراجعت العلاقات الأمريكية الأفريقية بشكل كبير في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، وكان الأخير معاديًا علنًا للعديد من الدول الأفريقية، حيث وصف بعض تلك الدول بـ”الدول القذرة” وألغى التزامات الولايات المتحدة لصناديق تغير المناخ الحيوية التي تدعم الدول الإفريقية. وقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين إعادة إحياء المشاركة الأمريكية في القارة خلال زيارة له لعدة دول أفريقية في جنوب الصحراء في هذا الشهر، لكن هل فات الأوان لإعادة العلاقات التي كانت مزدهرة؟ ربما.

والدافع وراء ذلك التحول هو الحقيقة التي لا يمكن إنكارها وهي أن الولايات المتحدة فقدت نفوذها الجيوسياسي لصالح روسيا والصين على مدى العقد الماضي، لكن العوامل الاقتصادية الأخرى يمكن أن تغير العلاقة بين الولايات المتحدة وإفريقيا مع تحسين إمدادات الطاقة الخضراء في القارة بشكل كبير.

وقد ترك الضرر الذي أحدثته إدارة ترامب ندوبًا عميقة في نفسية العديد من القادة الأفارقة، خاصة في جنوب إفريقيا، وعلاوة على ذلك، استثمر الصينيون والروس بسخاء في القارة لملء الفراغ الذي خلقته القيادة الأمريكية، وكانت تلك الإستراتيجية ناجحة، حيث تعد الصين أحد الممولين الرئيسيين لمشاريع البنية التحتية في جميع أنحاء القارة من خلال مبادرة الحزام والطريق (بي أر أي). كما استثمرت بكين بشكل كبير في قطاع التكنولوجيا المتنامي في إفريقيا، وتجلت الروابط العميقة لروسيا في القارة في الاضطرابات الجيوسياسية بشأن الصراع في أوكرانيا، فقد التزمت دول مثل جنوب إفريقيا الصمت إلى حد كبير بشأن أوكرانيا ورفضت الانحياز إلى أي طرف في النزاع الأوكراني، والذي يُنظر إليه على أنه موقف مؤيد ضمنيًا لروسيا.

وفي حين أن الطريق إلى إعادة العلاقات القوية سيكون صعبًا، إلا أن هناك مسارًا واضحًا يمكن للولايات المتحدة اتخاذه، ويبدو أن القيادة الأمريكية تعي وجود ذلك المسار، والذي يمر عبر احتياجات الطاقة المتغيرة بسرعة في جنوب إفريقيا. حيث تعيش جنوب أفريقيا والتي تتمتع بأكبر اقتصاد صناعي في القارة، أزمة طاقة طويلة المدى،  وتدير شركة الكهرباء الوطنية  (أسكوم)  مجموعة من المحطات القديمة التي تعمل بالفحم والتي هي في حاجة ماسة للصيانة والإصلاح، وفي عهد الرئيس السابق جاكوب زوما، أثر الفساد المستشري وسوء إدارة الحكومة للأموال على شركة (أسكوم) بشكل خاص، مما جعل الإصلاحات صعبة المنال، وكانت النتيجة رقمًا قياسيًا في حالات انقطاع التيار الكهربائي في النصف الأول من عام 2022، والذي شل اقتصاد جنوب إفريقيا بالتزامن مع جهود التعافي بعد الوباء.

وقد رفع الرئيس سيريل رامافوزا مؤخرًا جميع القيود المفروضة على كمية الطاقة التي سُمح لمزودي الطاقة المتجددة الخاصين ببيعها، وفي السابق، كانت الحكومة تضع حدًا أقصى للطاقة من المنتجين من القطاع الخاص عند 100 ميجاوات، ومع إزالة ذلك الحد الأقصى، حدث اندفاع كبير نحو الطاقة الخضراء لأن مناخ جنوب إفريقيا مثالي لتوليد الطاقة من الرياح ومن الشمس، وتقود الشركات الصينية الجهود لتزويد البنية التحتية للطاقة الشمسية، ومع ذلك هناك فرصة حقيقية لشركات الطاقة الخضراء الأمريكية لنيل حصة من تلك الثورة الخضراء في جنوب إفريقيا.

وبالتزامن مع جولة الوزير بلينكين في المنطقة، قامت مجموعة من المستثمرين الأمريكيين في قطاع الطاقة الخضراء مع أكثر من تريليون دولار من الأصول الخاضعة للإدارة بزيارة البلاد في رحلة نظمتها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ومنظمة بروسبر أفريكا، وهي مبادرة خاصة بالحكومة الأمريكية لزيادة التجارة والاستثمار بين الدول الأفريقية وأمريكا. وعندما تقوم هذه الشركات بأول استثماراتها في مجال الطاقة المتحولة، فإنها ستتبع خطى شركة أمازون، التي افتتحت محطة للطاقة الشمسية في أوائل عام 2022 لتشغيل عملياتها المتنامية في جنوب إفريقيا.

وقال كاميرون خسروشاهي وهو كبير مستشاري الاستثمار في (أفريقيا المزدهرة) في مقابلة مع (بزنس تك) خلال تلك الزيارة: “لا توجد موارد حكومية كافية في ميزانيات المانحين وفي الميزانيات المحلية لحل أزمة المناخ، على سبيل المثال في دولة كجنوب إفريقيا، وستكون هناك حاجة إلى زيادة رأس المال الخاص جنبًا إلى جنب مع رأس المال الحكومي لمواجهة التحدي، وهذا جزء من سبب وجودنا هنا “.

وأقرت الولايات المتحدة بأن نهج الصين تجاه القارة كان الأفضل، وهو النهج المتمثل في تشجيع الاستثمار في مشاريع الطاقة الخضراء، وأثبتت الصين وجودها كمقرض أرخص لتمويل مشاريع البنية التحتية الحيوية اللازمة لتنمية المدن الأفريقية مع استمرار نمو سكان القارة. ولم يكن هناك اهتمام باتباع نفس النهج في عهد ترامب، لكن الرئيس جو بايدن أقر بأهمية إفريقيا الحيوية للمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وهو الآن يتبع قواعد اللعبة الصينية. لكن لكي تحقق هذه الاستراتيجية النتائج المرجوة منها، يجب على الولايات المتحدة التواصل من الشركاء الإقليميين للمساعدة في تحول إفريقيا إلى الطاقة الخضراء.

و أثبتت دول الشرق الأوسط مثل إسرائيل والإمارات العربية المتحدة نفسها بالفعل كشركاء أساسيين في مجال تحول الطاقة في إفريقيا، فخلال أزمة المياه في كيب تاون في عام 2018، على سبيل المثال، عملت الشركات الإماراتية والإسرائيلية مع المسؤولين المحليين في مشاريع تحلية المياه لتخفيف نقص المياه، وتعمل الشركات التركية أيضًا مع مزودي الكهرباء في جنوب إفريقيا لإيجاد حلول مبتكرة لمشاكل انقطاع التيار الكهربائي (بما في ذلك محطة طاقة عائمة قبالة ساحل كيب تاون).

قد تمتلك الولايات المتحدة رأس المال والمعرفة للاستثمار في إفريقيا، ولكن ستحتاج إلى التواصل مع الشركاء الإقليميين لضمان أن تخلق استثماراتها ثورة حقيقية للطاقة الخضراء في القارة، وبينما لا يزال هناك طريق طويل لنقطعه في إعادة بناء العلاقات، لكن تزامن كل ذلك مع تحول واضح في النهج في الوقت المناسب تمامًا لمستقبل الطاقة في إفريقيا.

 

جوزيف دانا هو رئيس التحرير السابق لـ “إكسبونانشال فيو” وهي نشرة إخبارية أسبوعية حول التكنولوجيا وتأثيرها على المجتمع، وكان أيضًا رئيس تحرير “إميريج 85” وهو مركز يستكشف التغيير في الأسواق الناشئة وتأثيره العالمي.

@ibnezra