العقوبات الأمريكية تفرض قرارات قاسية على الهند فيما يتعلّق بإيران

حسن الحسن

بينما يقوم الرئيس دونالد ترامب بإحكام قبضة العقوبات الأمريكية على الاقتصاد الإيراني وجدت الهند نفسها وكأنها تسير على حبل مشدود، حيث تحاول أن تتبرّأ من العقوبات الأمريكية مع الاحتفاظ بالعلاقات بينها وبين إيران، وقد كان الاجتماع 2+2 الذي تم في السادس من سبتمبر بمدينة نيودلهي بين كل من وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ووزير الدفاع جيمس ماتيس ونظيريهما من الهند بمثابة فرصة لمناقشة الإعفاءات التي من الممكن أن تحظى بها تجارة الطاقة بين الهند وإيران حينما تدخل العقوبات الأمريكية حيز التنفيذ بشكل كامل في الرابع من نوفمبر، ومن وجهة نظر نيودلهي فإن الهند لا تستطيع أن تتجاهل العقوبات الأمريكية كما أنها لا تستطيع إفساد العلاقات مع طهران عبر التوقُف عن شراء النفط الإيراني.

وخلال الجولة السابقة من العقوبات الدولية على إيران فقد وجدت الهند نفسها في موقف مُشابه، وقد نجحت حينها الهند ومجموعة من الدول التي تستهلك النفط الإيراني في الحصول على بعض التنازلات من إدارة الرئيس أوباما حيث استمرت تلك الدول في شراء النفط من إيران ولو بكميات أقلّ، وقد سمح هذا لإدارة أوباما بالحفاظ على الخط الرفيع بين الإضرار بالاقتصاد الإيراني وحماية أسواق النفط من عملية نقص الإمدادات، وخلال الفترة ما بين إقرار العقوبات الأممية في العام 2006 وتوقيع الاتفاق النووي الإيراني في العام 2015 فإن نصيب إيران من واردات النفط الهندية انخفض بشدة من 14% إلى 6% على الرغم من مضاعفة فاتورة نيودلهي لاستيراد النفط من 47 مليار دولار إلى 116 مليار دولار.

وهذه المرة فقد صرّحت وزيرة الخارجية الهندية “سوشما سواراج” بأن الهند سوف تتجاهل العقوبات التي يتم فرضها من طرف واحد والتي لا تتم برعاية الأمم المتحدة، وعلى الرغم من بلاغة الكلمات إلا أنه على المستوى العملي سيكون من الصعب على نيودلهي تحدّي العقوبات الأمريكية، وكنتيجة لذلك فقد بدأت نيودلهي في الضغط على إدارة ترامب من وراء الكواليس للحصول على تنازلات مُماثِلة فيما يتعلّق بتجارة النفط بين نيودلهي وطهران، ومن أجل إرضاء ترامب؛ فقد تعهّدت الهند بالحفاظ على التوازن التجاري مع الولايات المتحدة بما فيه شراء الهند للنفط الأمريكي في صفقة تُقدّر بملياري دولار.

ومع ذلك؛ فقد تتراجع نيودلهي عن المُقترح الخاص بالتخلّي عن إمدادات النفط الإيراني بالكامل، والذي يُشكِل في الوقت الحالي 10% من مجموع واردات الهند من النفط، ومن وجهة نظر اقتصادية فإن الهند تُعاني من تضخُم فاتورة استيراد الطاقة بسبب ارتفاع أسعار النفط وانخفاض العملات أمام الدولار الأمريكي، حيث ارتفعت أسعار التجزئة فيما يخُص الوقود، علاوة على ذلك؛ فقد اندلعت احتجاجات بسبب ذلك وباتت تُمثِل خطراً على موقف الحزب الهندوسي الحاكم “بهاراتيا جاناتا” خلال الانتخابات المقرر لها العام القادم.

في ذات الوقت فقد قدمت إيران للهند (والتي تعد ثاني أكبر مُصدِر للنفط إلى الهند) خصومات كبيرة على عمليات الشحن كما عملت على تمديد فترات السماح فيما يتعلّق بمشتريات النفط، وفي الماضي فقد وافقت إيران على قبول مدفوعات النفط بالروبية الهندية، وذلك حينما أسفرت العقوبات الأوروبية التي تم فرضها على البنك المركزي الإيراني في العام 2012 عن وقف استخدام اليورو، وبالنظر إلى انخفاض قيمة الروبية الهندية أمام الدولار الأمريكي والانتخابات القادمة فإن تسعير النفط بالروبية الهندية وانخفاض سعره ستكون بمثابة فكرة جذابة لا يمكن لصناع السياسة في الهند مقاومتها.

ولتعويض نقص النفط الإيراني فقد ضغطت إدارة ترامب على حلفاء واشنطن الأثرياء من منتجي النفط في منطقة الخليج من أجل زيادة الإنتاج في محاولة لخفض أسعار النفط، وفي أواخر يونيو الماضي وافقت منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) التي تضُم المملكة العربية السعودية وباقي دول مجلس التعاون الخليجي وروسيا؛ على زيادة إنتاج النفط بمقدار مليون برميل يومياً.

وبخلاف التأثيرات الاقتصادية، فإن الهند تواجه أخطاراً جيوسياسية تتعلّق بتدهور العلاقات مع طهران إذا ما قامت نيودلهي بوقف شراء النفط الإيراني بشكل مفاجئ، وقد حذّرت طهران نيودلهي على لسان الدبلوماسي الإيراني في نيودلهي مسعود رزفانيان من محاولة استبدال النفط الخام الإيراني بآخر، وأضاف الدبلوماسي الإيراني أن مثل تلك الخطوة ستضع “الامتيازات الخاصة” التي تحظى بها نيودلهي موضع الخطر، وقد تم تفسير تصريحات الدبلوماسي الإيراني من قِبل نيودلهي على أنها تقصد ميناء شابهار الذي تحاول الهند عن طريقه إيجاد موطئ قدم لها منذ تسعينيات القرن الماضي، وترى الهند في هذا الميناء عنصراً أساسياً فيما يتعلّق بالاتصال بين الهند وأفغانستان، وكذا فيما يتعلّق بالممر الدولي المُقترح للعبور بين الشمال والجنوب، وهو الممر الذي يرمي إلى الالتفاف حول قناة السويس وتوفير طريق مختصر للتجارة مع كل من وسط آسيا وروسيا وأوروبا.

وعلى الرغم من قيام شركة موانئ الهند العالمية، وهي شركة حكومية لإدارة الموانئ، بتوقيع عقد مع طهران مدته 18 شهراً للإشراف على عمليات الميناء إلا أن نيودلهي تشعر بالقلق من أن انخفاض مشتريات النفط بشكل كبير سيدفع بطهران لتوفير دور أكبر للصين فيما يتعلّق بتشغيل الميناء الذي يطل على خليج عُمان، والواقع أن نيودلهي تشعر بالقلق في الأساس من حضور الاستثمارات الصينية في العديد من الموانئ بالمحيط الهندي، بما فيها ميناء جوادر الباكستاني الذي يقع على مسافة قصيرة من ميناء شابهار، وذلك لأن الهند تخشى من قيام الصين باستخدام تلك الموانئ من أجل تطويق الهند عبر الحصول على موطئ قدم في المناطق القريبة من الأراضي الهندية، ومن ثم فقد باتت الهند مُعرّضة لخطر فقدان ميناء شابهار لصالح الصين بشكل جدي.

وأخيراً؛ وفي ظل العالم المثالي فإن نيودلهي لن تصبح مُجبرة على الاختيار بين الانصياع للعقوبات الأمريكية واستيراد النفط الإيراني، وفي العام 2012 فقد أعفى أوباما نيودلهي من هذا الاختيار عبر توفير إعفاءات فيما يخُص تجارة الطاقة بين الهند وطهران، وعلى أي حال فقد أثبت ترامب أن تصرفاته لا يمكن التنبؤ بها، وأن قيامه بإجبار نيودلهي على الاختيار لا زال بمثابة سؤال يحتاج إلى إجابة.

AFP PHOTO/NOAH SEELAM