محاولة فهم قصة الطاقة النووية من زاوية الحكومة الإيرانية

الين ليبسون

Image courtesy of Atta Kenner / AFP

حفلت الأسابيع الماضية بأحداث كبيرة في إيران، من الاضطرابات الداخلية الناجمة عن وفاة امرأة كردية أثناء احتجازها بزعم انتهاكها للقواعد المتعلقة بارتداء الحجاب، إلى المفاوضات لاستعادة الاتفاق النووي لعام 2015، إلى إطلاق سراح مسؤول سابق مسن في اليونيسف بعد أكثر من ست سنوات.

كل هذا جعل مراقبي الشأن الإيراني يتساءلون: هل ستنسج تلك الأحداث المنفصلة رواية جديدة عن إيران، ومسارها المحتمل، وردود الفعل الأمريكية في الأشهر المقبلة؟

هتف المجتمع الإيراني بقيادة النساء والفتيات، في معظم المدن والبلدات الإيرانية الكبرى بشعار جديد وهو: “المرأة، الحياة، الحرية“. وعلى عكس احتجاجات الماضي التي نظمتها بشكل رئيسي النخب المتعلمة ضد المخالفات الانتخابية، فهذه المظاهرات الأخيرة حول وفاة مهسا أميني قد استفادت من شريحة اجتماعية أوسع ولها جاذبية أكثر على الصعيد العالمي.

ونرى فتيات صغيرات يسخرن من قوات الأمن، ويستعرضن حجابهن على العصي، ويظهرن شجاعة وتحديا على عكس الثورات السابقة ضد قسوة الجمهورية الإسلامية.

قليلون هم من يضنون بأن ذلك قد يكون نهاية “الثورة” الإيرانية وبداية التغيير السياسي الحقيقي، ولم يقدم الشيوخ العجائز في طهران أي كلمة تعاطف مع المتظاهرين، وقتلت قوات الأمن التي يقودونها عشرات وسجنت الآلاف.

ومن المستحيل بنفس القدر التنبؤ بمستقبل تلك الاحتجاجات، فقد يتلاشى شغف المحتجين، أو قد يقدم النظام تنازلات من شأنها تقويض الزخم في الشارع، ولكن من المتوقع أيضا حدوث تفكك عميق، بالنظر إلى الضغوط الأخرى على إيران، من العقوبات والعزلة الدولية إلى تضاؤل الفرص المتاحة لملايين الشباب.

وفي الوقت نفسه، يواجه قادة إيران بعض الخيارات الصعبة فيما يتعلق بالاتفاق النووي، بحكم خطة العمل الشاملة المشتركة، حيث كانت هناك مناورات هادئة بين الولايات المتحدة وإيران، تحت إشراف الأطراف الأخرى في الاتفاق ومسؤولو الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، وتبادل كلا الجانبان العروض، وفي الآونة الأخيرة من شهر أغسطس اعتقد البعض أن التوصل إلى اتفاق أصبح قريب جدا.

وتبددت تلك الآمال عندما خاطب الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي الجمعية العامة للأمم المتحدة في أواخر شهر سبتمبر متهما الغرب بالنفاق النووي.

ويرى دبلوماسيون قريبون من المفاوضات الآن أن إيران تعيد طرح القضايا التي تم حلها مسبقا، مثل توقيت التحقيق من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وربما ذلك في مسعا من إيران لتأجيل أي قرار إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية في شهر نوفمبر. وعكرت تلك الخطوة من مزاج الدبلوماسيين الأمريكيين، وخاصة أولئك الذين يفضلون الحصول على اتفاقا ولو فيه بعض العيوب على حالة عدم اليقين بفضل عدم التوصل إلى أي اتفاق.

وقد يأمل المتفائلون في أن تجتمع تلك الافكار معا لنسج رواية جديدة لقادة إيران، مثل المساومة على «خطة العمل الشاملة المشتركة» لتحسين صورتهم ومصداقيتهم أمام العالم. ولكن يخبرنا التاريخ أن تلك الأفكار لن ترى النور.

بل على العكس من ذلك، فإن التأثير الأكثر ترجيحا لاحتجاجات الحجاب هو جعل النظام أكثر تشبث بموقفه المتشدد، ويميل النظام دائما إلى الاعتقاد بأن القوى الخارجية تحاربه. ولأن الدول الغربية، بما في ذلك الولايات المتحدة، تبذل قصارى جهدها لدعم الاحتجاجات، وعليه يمكن القول أن أي تأثير على «خطة العمل الشاملة المشتركة» سيكون سلبيا وليس إيجابيا.

والحدث الأخير الذي أثر على العلاقات الأمريكية الإيرانية هوالإفراج الأخير عن إيراني أمريكي أحتجز لدى النظام منذ عام 2015، وسافر “باقر نمازي” وهو المسؤول السابق في اليونيسف والبالغ من العمر 86 عاما إلى الإمارات العربية المتحدة لتلقي العلاج الطبي. وكانت إيران قد رفضت في السابق التهم الموجهة إليه لكنها لم تسمح له بمغادرة البلاد.

وكان ابنه “سياميك نمازي” البالغ من العمر 51 عاما، قد أفرج عنه مؤقتا من سجن “إيفين” لكنه أُجبر على العودة إلى السجن هذا الأسبوع.

واعترفت الولايات المتحدة بإجراء محادثات غير مباشرة مع إيران حول الإفراج عن “باقر نمازي” لكن التفاصيل حول ذلك شحيحة، ومن المحتمل أنه تم إطلاق سراحه خوفا على حالته الصحية، وليس كجزء من عملية تبادل أو تفاوض.

ووقع الرئيس الأمريكي جو بايدن في شهر يوليو الماضي على أمر تنفيذي بشأن الأمريكيين المحتجزين بشكل غير قانوني، وأضفى بذلك التوقيع الطابع الرسمي على العملية الدبلوماسية للسعي للإفراج عن المواطنين الأمريكيين المحتجزين ظلما، ويسمح ذلك بمزيد من العقوبات على محتجزي الرهائن، كما يسمح  للحكومة الأمريكية بمشاركة المزيد من المعلومات مع عائلات المعتقلين المسجونين من قبل جهات غير حكومية أو من قبل بعض الحكومات.

بما يعني أن الولايات المتحدة تحافظ على جهود إطلاق سراح الرهائن منفصلة عن المفاوضات حول القضايا الأخرى، مثل المفاوضات على خطة العمل الشاملة المشتركة. وفي حين أنه من المنطقي التفكير في أنه يجب أن تكون هناك خطة رئيسية تجمع كل تلك الأحداث المنفصلة معًا في سياسة واحده تجاه إيران، فإن الحقيقة هي أن حكومة الولايات المتحدة تحاول فعل العكس.

وأشار جورج بوش الأب لإيران في عام 1989 إلى أن “النيات الحسنة تولد حسن النية” وهي فكرة أن التقدم في أحد المجالات قد يمتد إلى القضايا الأخرى المتنازع عليها. ولكن في أعقاب فضيحة إيران كونترا التي أطلقتها إدارة ريغان في الثمانينيات، والتي تضمنت مخططًا لمبادلة الأسلحة مع إيران برهائن في لبنان، فقد افضى ذلك إلى فشل نهج سياسة بوش المتشابكة.

وبالمثل، فمن الأفضل التفكير في هذه اللحظة الحالية على أنها مزيج متشعب من التحديات والصعاب، حيث يلفت البعض الانتباه إلى أوضاع حقوق الإنسان في إيران، والبعض الآخر إلى المجال الأمني ​​متعدد الأوجه، من الأنشطة النووية الإيرانية المستمرة إلى نشاطها في جميع أنحاء المنطقة من سوريا والعراق الى اليمن. وفي حين أنه من الجيد نسج رواية مترابطة للعلاقات الأمريكية الإيرانية، لكن نادرًا ما يحمل التاريخ في طياته علاقات مترابطة.

 

إلين لايبسون هي مديرة برنامج الأمن الدولي في كلية شار للسياسة والحكومة بجامعة جورج ميسون في فيرجينيا، وهي نائبة سابقة لرئيس مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي.