القلاقل في إثيوبيا وصداها الحتمي في الشرق الأوسط وأوروبا

دنيانيش كامات

AFP Photo: Brandon Bell/Getty Images

مع تصاعد حدة التوترات السياسية في إثيوبيا، يجب على المجتمع الدولي بذل قصارى جهوده الدبلوماسية لتعزيز المصالحة السياسية في البلاد، لأن الفشل في ذلك سيكون بمثابة الكارثة التي لا تقتصر تداعياتها على إثيوبيا وجيرانها المباشرين فقط، بل أيضًا على أوروبا والشرق الأوسط.

وكان “166” شخصًا على الأقل قد لقوا مصرعهم في أعمال عنف اندلعت في جميع أنحاء البلاد بعد اغتيال “هاشالو هونديسا”، المغني الشعبي من جماعة أورومو العرقية. وهذا هو السبب المباشر للاضطرابات المستمرة. ومع ذلك، تعيش البلاد وضعًا صعبًا منذ عامين على الأقل بسبب التوترات العرقية.

وعند توليه السلطة في عام 2018، مهد رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، الطريق نحو عصر التحول الديمقراطي. وتحت إشرافه، أفرجت الحكومة الإثيوبية عن سجناء سياسيين، وسمحت للأحزاب السياسية المعارضة بالعمل، ودعت المعارضين المنفيين للعودة إلى بلادهم، وحررت القوانين التي تؤثر على وسائل الإعلام الإخبارية، حتى أن “آبي أحمد” (والذي يُدعى باسمه الأول) سعى إلى السلام مع إريتريا المجاورة، وحصد لذلك جائزة نوبل للسلام في العام الماضي.

ومع ذلك، يبدو أن إثيوبيا تدفع ثمن نجاحها، والأمر المؤكد أن جزءًا من هذا اللوم يقع على عاتق “آبي أحمد”. وإلى جانب سعيه نحو التحرر السياسي الشامل، كان من الضرورة بمكان أن يدعو “آبي” إلى تشكيل جمعية تأسيسية لتغيير النظام السياسي الإثيوبي تغييرًا جذريًا حتى لا تتناحر المجموعات العرقية مع بعضها بعضًا. ولكنه شرع في إطلاق حزب جديد، وهو حزب الازدهار، والهدف منه التركيز على شخصية “آبي”. وعلاوة على ذلك، وخلال العام والنصف الماضيين، اتسمت إدارة حكومة “آبي” بالاستبدادية، مما أثار غضب خصومه السياسيين وزاد من حدة الصراع العرقي. وفي عام 2019، سجنت الحكومة الصحفيين الصادحين بنقدهم والسياسيين المعارضين. وردا على الاضطرابات التي شهدتها البلاد الأسبوع الماضي، سجنت الحكومة ما لا يقل عن ثلاثة من أبرز السياسيين المعارضين، ومنهم “جوار محمد”، والذي يعتبره قطاع عريض من الناس أبرز المنافسين السياسيين “لآبي أحمد” على هذا المنصب. وبالنظر في سير الاستبداديين الذين واجهتهم اضطرابات سياسية، ألقى “آبي” باللوم أيضًا في الاضطرابات المستمرة على القوى الأجنبية غير المعروفة بعد.

وهناك أسباب عديدة تحتم على المجتمع الدولي التدخل دبلوماسيا لتعزيز المصالحة السياسية والانتقال الديمقراطي الحقيقي. ويجب على الاتحاد الأفريقي إدارة هذه العملية مع قادة، ربما، من الديمقراطيات الأفريقية مثل بوتسوانا وغانا ومالاوي وموريشيوس. وتعود أهمية تعزيز السلام في إثيوبيا إلى أن عدم القيام بذلك سيجلب معاناة لا توصف للشعب الإثيوبي. وهناك بالفعل في هذا البلد الذي يبلغ تعداد سكانه 109 مليون نسمة 3 ملايين نازح.

إن نزوح اللاجئين من إثيوبيا سيغطي على أزمة اللاجئين السوريين، وقد يزعزع بدرجة خطيرة استقرار مساحات شاسعة من القارة، بدءًا من القرن الأفريقي وصولاً إلى شمال القارة الأفريقية ووسطها. وتشهد جيران إثيوبيا، مثل السودان وجنوب السودان والصومال، مرحلة انتقالية سياسية صعبة. وقد يؤدي وصول أعداد كبيرة من اللاجئين الإثيوبيين إلى زعزعة استقرار تلك البلدان بشدة. وقد يكون لهذا الأمر تأثير الدومينو على بلدان أبعد، مثل ليبيا وتونس ومصر واليمن عبر البحر الأحمر. ومن نافلة القول أن التدفق الهائل للاجئين وسط جائحة فيروس كورونا “كوفيد-19” سيؤدي الى كارثة.

وتقع إثيوبيا على مفترق طرق بين مختلف الجماعات الإرهابية العابرة للحدود، والمنتسبة إما لتنظيم الدولة الإسلامية أو لتنظيم القاعدة. ويمكن أن تكون إثيوبيا التي دمرتها الحرب الأهلية الأرض الخصبة المثالية لتلك الجماعات للبحث عن ملاذ وتجنيد أعضاء جدد. وهناك أدلة على أن جماعة الشباب الإرهابية التابعة لتنظيم القاعدة حاولت العام الماضي توسيع أنشطتها لتشمل إثيوبيا. وتشهد البلاد عنف ديني على مدى العامين الماضيين، الأمر الذي قد يؤجج نيران التطرف في البلاد.

وكوسيلة لاسترجاع رصيده السياسي المتدهور، قد يخاطر “آبي” بملء سد النهضة العظيم الإثيوبي، وهو أكبر مشروع للطاقة الكهرومائية في أفريقيا، رغم اعتراضات مصر والتي ترى أن في السد تهديدًا وجوديًا لإمكانية تحكمها في تدفق مياه النيل. وعلى الرغم من مراوغته في بادئ الأمر بشأن دعمه لسد النهضة العظيم الإثيوبي، يمكن لأبي الآن دعمه بكل إخلاص كوسيلة لاستنهاض النزعة القومية الإثيوبية، وتحسين موقفه السياسي كذلك. ومن ثم، يستطيع “آبي” تحدي مصر، والتي قد تتدخل عسكريا. وهذا قد يمهد الطريق لصراع عسكري بين اثنين من أكبر الجيوش في أفريقيا وأفضلها جاهزية. وهناك العديد من الحكومات حول العالم، سواء الديمقراطية أو غيرها، قد أثارت صراعات عسكرية مع القوى الأجنبية لصرف الانتباه عن الأزمات السياسية المحلية. وقد يميل “آبي” إلى تكرار ذلك الأمر.

ومن الناحية الرمزية، قد يؤثر فشل المشروع الديمقراطي الإثيوبي على البلدان الأخرى متعددة الأعراق والديانات والتي تحاول ممارسة التحولات الديمقراطية داخلها. إن دولة بحجم إثيوبيا وتاريخها وموقعها هي دولة محورية في المنطقة. وإن أصداء الزلازل السياسية في إثيوبيا سيظهر أثرها في تونس حتى العراق.

وعلى عكس السجل الموحش لنظيره في ميانمار، أون سان سو تشي، بات على “آبي” الآن التصرف كرجل حائز على جائزة نوبل للسلام. ويتطلب ذلك الجلوس مع خصومه السياسيين وعقد تسوية لجعل إثيوبيا دولة ديمقراطية تعددية، مع تلبية المطالب السياسية لمختلف المجموعات العرقية في البلاد. ونظرًا لارتفاع درجات الحرارة في البلاد، ورغبة “آبي” في الماضي القريب للجوء إلى الخطط الاستبدادية، فقد يكون التعاون مع الدول الديمقراطية الإفريقية الصديقة أمرًا هامًا.

 

دنيانيش كامات، محللاً سياسيًا في شئون الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ويقدم أيضًا استشارات للحكومات حول المبادرات السياسية والإستراتيجية لتعزيز نمو الصناعات الإبداعية كالإعلام والترفيه والثقافة.