لماذا يجب على الفلسطينيين الوثوق في كوشنير وصفقة القرن الخاصة به وهو شخص غير مؤهل وقليل الخبرة ومتحيز…

جوناثان جرونال

AFP Photo: Saul Loeb

على مدار الأسابيع القليلة الماضية تعرضت السلطة الفلسطينية لضغوط متزايدة من جميع الجهات، للموافقة على خطة السلام التي طرحتها الإدارة الأمريكية “صفقة القرن”، وكما وصفتها صحيفة جوردون تايمز، الرفض غير المسموح به لقمة جاريد كوشنير للسلام في البحرين، جعل الفلسطينيين “متهمين بالسلبية” قبل حتى أن يأتي موعد تلك القمة، حتى أن رجل الأعمال الإماراتي البارز “خلف الحبتور” مؤسس مجموعة الحبتور والمساند بقوة للحقوق الفلسطينية منذ زمن، أدان قرار السلطة الفلسطينية بمقاطعة قمة البحرين الاقتصادية، واصفًا تلك المقاطعة ب”قصر النظر في أفضل الأحوال، وأنها هزيمة من الداخل في أسوء الأحوال”.

وتلك المناشدات مبعثها القلق الحقيقي على الشعب الفلسطيني، وهي تأتي بنيّة صادقة، لكن هؤلاء الذين قاموا بها أغفلوا عنصرًا هامًا، وهو أن المخرب الحقيقي لصفقة جاريد كوشنير ليس العناد الفلسطيني، وإنما جاريد كوشنير ذاته.

والوسيط النزيه يجب أن يكون غير متحيز، والواضح بالنسبة للفلسطينيين والإسرائيليين من ذوي العقول الليبرالية والأمريكيون ايضًا أن كوشنير هو العمود الفقري للتحيز، ووالد زوجته الرئيس ترامب ضرب بعرض الحائط الكثير من القواعد التي تحكم ممارسات الرئاسة، والمحسوبية هي واحدة فقط من الكثير من الانتهاكات التي قام بها ترامب بحماسة وغرور.

لكن بينما تدعو عملية تعيين ترامب لزوج ابنته عديم الخبرة، في منصب كبير المستشارين، المرء للتعجب؛ فإن قيام ترامب بتسليم أمر قضية الشرق الأوسط لكوشنير يعُد بمثابة إهانة شديدة وغباء من الممكن أن يؤدي إلى كارثة.

ومن الصعب أن نتصور أي شخص يخسر ثقة الفلسطينيين أكثر من جاريد كوشنير، وهو مثله في ذلك مثل الأعضاء الثلاثة البارزين في فريق السلام التابع له، يهودي أرثوذكسي، يلتزم بشكل تام بالمصالح العليا لدولة إسرائيل، والمعروف أن ترامب ربما لا يدرك أو لا يهتم بكون تلك الحقيقة وحدها تعُد تجسيدًا لصراع المصالح، الذي يجعل من القبول بكوشنير كوسيط نزيه أمرًا مستحيلًا.

وما يجعل الأمر أكثر سوءًا، هو أن كوشنير وعائلته ليسوا فقط أصدقاء لعائلة نتنياهو منذ زمن، بل أنهم مساندين وبقوة للظلم الذي يتعرض له الفلسطينيون. وفي العام 2016، وعلى الرغم من أن كوشنير كان في بداية مهمته كوسيط للسلام، فقد كشفت صحيفة واشنطن بوست عن أن الصندوق الخيري التابع لعائلة كوشنير قام بتخصيص عشرات الآلاف من الدولارات لدعم الاستيطان المخالف للقانون في الضفة الغربية، وخلال العام الماضي تم الكشف عن أنه خلال الحملة الانتخابية للرئيس ترامب كان كوشنير بمثابة لسان حال المصالح الإسرائيلية بصورة حرفية، وقد كشفت الصحفية إميلي جين فوكس التي تعمل بمجلة فانيتي فير في كتابها (مولود ترامب)، كشفت عن خطبة قام بكتابتها كوشنير ليقوم ترامب بإلقائها أمام لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، وهي عبارة عن جماعة تتبع اللوبي اليهودي، وأن كوشنير قام بكتابة ذلك الخطاب عقب مكالمة هاتفية استمرت ساعة كاملة مع السفير الإسرائيلي في واشنطن.

ويجب على هؤلاء، الذين يطالبون الفلسطينيين بتنحية عدم ثقتهم في خطة كوشنير للسلام جانبًا، التوقف للحظة وأن يضعوا أنفسهم مكان الفلسطينيين بعد كل تلك العوامل التي قمنا بسردها، وهؤلاء يجب عليهم أيضًا الأخذ في الاعتبار الطريقة الغريبة التي تدعم بها إدارة ترامب جاريد كوشنير، في عزل الفلسطينيين، بل بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وكذلكدعم الادعاءات الإسرائيلية بالسيادة على هضبة الجولان.

وبسبب الدور الذي لعبه كوشنير في العام 2017 كعضو في إدارة ترامب، التي فعلت الكثير لإلحاق الضرر بالأقليات والمضطهدين، تعرض كوشنير لتوبيخ شديد، فقد عبّرت صحيفة “إلى الأمام” اليهودية العتيقة عن رعبها من الإهمال الكارثي، وذلك على لسان الكاتب بيتر بينارت الذي قال :”إن التحدي الحقيقي أمام كوشنير وكل الأشخاص سعداء الحظ من جيلنا هو، أن نتذكر المعاناة التي مر بها أسلافنا، وأن نحيي ذكراهم عبر الدفاع عن الضعفاء والمضطهدين اليوم، كيف يمكن لكوشنير اليهودي الأرثوذكسي صاحب المكانةأن يفشل في استيعاب ذلك؟“.

وقد كان هذا بمثابة إقرارًا نادرًا بضرورة قيام كوشنير بالعمل لأجل الضعفاء والمضطهدين من أبناء الشعب الفلسطيني.

ومسألة نجاح صفقة القرن من عدمه في إنقاذ إسرائيل بعد العودة إلى صناديق الاقتراع العام الحالي لا زالت مسالةغامضة،الا انذات السؤال لا زال يتردد. ومنذ اليوم الأول للإعلان عن صفقة القرن، فإن تلك التسوية كانت متجهة الى الهاوية سواء من الناحية الأخلاقية او السياسية، وإذا ما كانت إدارة ترامب جدية فيما يخص إبرام صفقة عادلة لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين فكان عليها على الأقل ان تقوم بتعيين شخص مستقل عن طرفي النزاع، وعوضًا عن ذلك، ومع الغطرسة المستبدة التي تتعامل بها إدارة ترامب، فإن البيت الأبيض يريد أن يفرض حلًا على الفلسطينيين، ويبدو أنه تم اختيار الشخص غير المناسب للقيام بتلك المهمة.

حتى انوزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بدا وكأنه يعترف بالعبثية التي تميز هذا الأسلوب، وقد تسربت تفاصيل بداية هذا الشهر حول مقابلة خاصة تمت بين بومبيو ورؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى وهي منظمة مقرها نيويورك، وقد كشفت التفاصيل عن أن بومبيو قد اعترف أن خطة كوشنير للسلام هي الخطة التي سيفرح بها الإسرائيليون فقط.

ومثله مثل والد زوجته، ربما يعلم كوشنير شيئًا عن تطوير الممتلكات، لكنه ليس ذو خبرة في الأعمال السياسية والدبلوماسية التي تتطلب البراعة، وخلال الأسبوع الماضي، حين بدا أن خطة كوشنير تغرق بسبب عدم معقوليتها، فإن كوشنير لا زال يفتقد الذكاء الذي يمكنه من إخفاء عملية ازدرائه للفلسطينيين، وخلال مقابلة تليفزيونية أبدى كوشنير عدم ثقته في إمكانية قيام الفلسطينيين بحكم أنفسهم، وحينما صارحه المحاور بأنه ربما يكون هوالشخص الذي ليس من المتوقع أن ينول ثقة الفلسطينيين، بدا كوشنير متعجبًا حيث قال بوضوح :”أنا لست هنا كي أحصل على الثقة“.

والواقع أن كوشنير على خطأ، فالثقة من الممكن أن تكون خيارًا غيرإلزاميًا فيما يخص بيع وشراء العقارات، لكن بالنسبة لشخص مطلوب منه الوصول إلى حل لأحد أصعب المشكلات السياسية التي عرفها العالم، فإن الثقة باتت شرطًا أساسيًا للغاية.