لا توجد جدوى من تصنيف الجامعات في اغلب الحالات

جوناثان جرونال

AFP Photo: Karim Sahib

ما هو مغزى تصنيف جامعات الاقتصاديات الناشئة للعام 2020، الذي نشرته مجلة تايمز للتعليم العالي؟، وتبدو التهنئة مستحقة للمؤسسات التعليمية الثلاث في الشرق الأوسط التي جاءت ضمن المراكز العشرين الأولى، والتي سيطرت عليها الصين عبر الحصول على تسعة مراكز ضمن أفضل 20 جامعة. وقد جاءت جامعة الملك عبد العزيز في جدة بالمملكة العربية السعودية في المركز الثالث عشر، تبعتها جامعة خليفة في الإمارات العربية المتحدة في المركز الخامس عشر، وجاءت جامعة الفيصل السعودية بالرياض في المركز العشرين.

ومما لا شك فيه أن تلك النتائج ستكون بمثابة تشجيع لتلك الجامعات الثلاث، مما سيكون له أبلغ الأثر فيما يتعلّق باختيار الطلاب مستقبلًا للجامعات التي سيلتحقون بها لكن هل يتسم هذا التصنيف بالعدل بالنسبة لتلك الجامعات، وهل سيساعد الطلاب فيما يخص الاختيار الصحيح؟، إن نظرة فاحصة على نهج تلك الجامعات يخبرنا بالعكس.

إن تصنيف الاقتصاديات الناشئة يرتكز على ذات البيانات التي أتت كقاعدة لتصنيف الجامعات على مستوى العالم، والتي قامت بها مجلة تايمز للتعليم العالي، والتي حلّت فيها جامعة الملك عبد العزيز في المركز من 201 – 250 للعام 2020.

وتمثلّت نتيجة تصنيف الاقتصاديات الناشئة في أنه إلى جانب كونها مجرد ممارسة تجارية تدعو للسخرية فيما يخص استخدام البيانات؛ فإنها أيضًا تشير إلى التفوق، وربما يشعر المواطنون في كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية بالدهشة حين يعلمون أنهم يعيشون في ظل “اقتصاديات ناشئة”، وهو تصنيف اخترعته مؤسسة غربية أخرى وهي بورصة لندن. وبما أنها بمثابة دليل للمستثمرين، فقد قامت مؤسسة فاينانشيال تايمز للبورصة بتصنيف الاقتصاديات الغير متطورة بشكل كامل على أنها اقتصاديات “ناشئة متطورة” أو “ناشئة ثانوية” أو “واعدة”.

والمصادفة أن كل من اقتصاديات المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تعُد “ناشئة متطورة” لكنها مجرد “ناشئة ثانوية”، ونفس الأمر ينطبق على الكويت وقطر.

لذا إن قمنا بتنحية المنظور الخاص بالحقبة الاستعمارية، كيف يمكن لمجلة تايمز للتعليم العالي تصنيف تلك المؤسسات؟.

جميع التصنيفات ترتكز على 13 مؤشرًا للأداء، “تحكم على المؤسسات التعليمية من خلال التدريس والبحث ونقل المعرفة ومستقبل المؤسسة على المستوى الدولي”. وربما يتم منح الجامعات 100 نقطة توزع عبر 5 فئات: التدريس (30% من إجمالي النقاط) والبحث (30% أيضًا) والاقتباس لأجل نشر الأبحاث (20%) و”مستقبل المؤسسة على المستوى الدولي” (وبشكل رئيسي عدد الموظفين والطلاب الذين يأتون من دول أخرى عبر البحار 10%) ودخل الأبحاث الذي يأتي عبر الصناعة (10%).

ولم تقم مجلة تايمز للتعليم العالي بزيارة الجامعات أو التحدث مع الموظفين أو الطلاب أو تقييم القدرات التعليمية والنتائج على الأرض، وبدلًا من ذلك فإن النسبة الأكبر من النقاط،أكثر من نصف نسبة ال60% المخصصة للتدريس والبحث وهما أكبر فئتين، مستمدة من دراسة سنوية لسمعة الأكاديمية والتيتعتمد على التقييم الشخصي، حيث تعتمد على اختبار “هيبة تلك المؤسسات فيما يخص التدريس [و] سمعة الجامعات بين أقرانها فيما يتعلّق بالتفوق البحثي”.

الأقران؟، من ضمن عشرة آلاف شخص شملتهم الدراسة الأخيرة 93% منهم كانوا من منطقة آسيا والمحيط الهادئ، 33% من أوربا الغربية والشرقية، 20% من أمريكا الشمالية، و1% فقط من الشرق الأوسط.

وخلال تلك الدراسة، “تم توجيه أسئلة للمبحوثين حول موضوعات خاصة بالتزامهم فيما يخص المواد الدراسية [و] تم سؤالهم أسئلة من عينة: أذكر 15 جامعة تعُد متفوقة في الغالب فيما يخص كل فئة؟، وذلك بناء على التجارب الشخصية لمن شملتهم الدراسة”.

والمصطلح الرئيسي هنا هو “يعتقد”. ولكن كيف للأمور أن تسير على هذا النحو؟، على سبيل المثال كيف لمُحاضِر في الاقتصاد من منطقة الغرب الأوسط الأمريكي أن يكون لديه معلومات عن جامعة توجد في الشرق الأوسط؟، ناهيك عن قدرة هذا المُحاضِر على الحكم على أداء الأقسام المختلفة بتلك الجامعة؟.

ولم يقتصر الأمر على الانحياز الهائل للإجابات التي تأتي من مناطق بعيدة عن الشرق الأوسط، لكن تلك الفرضية تم تقويضها بسبب المنظور الضيق الذي تم التعامل مع المبحوثين من خلاله، ومن هؤلاء المبحوثين هناك 14.6% يقومون بتدريس العلوم الفيزيائية، 14.5% في المواد الصحية والسريرية، 13.4% في علوم الكائنات الحية، و13.1% في الأعمال والاقتصاد، ثم العلوم الاجتماعية (8.9%) وعلوم الكمبيوتر (4.2%) والتعليم (2.6%) وعِلم النفس (2.6%) والقانون (0.9%) وهو لم يحظى بما يستحق خلال تلك الدراسة.

وهناك 20% أخرى من النقاط تم منحها ل”التأثير البحثي”، وتم قياسها عبر الاقتباسات التي تم أخذها من الأبحاث المنشورة للجامعة، والأخطر من ذلك،أن الكليات التي تكون الأولوية فيها للتدريس على البحث قد تجد نفسها مدفوعة إلى مجال البحث بغرض تحسين مركزها في التصنيف وليس بغرض تقديم النفع لطلابها عبر الاتجاه للبحث.

وتلك الفئة أيضًا تمثل ضغطًا على المؤسسات لنشر الأبحاث باللغة الإنجليزية، بدلًا من اللغة التي يتحدث بها الموظفون والطلاب والدولة بشكل عام. وتقييم مجلة تايمز للتعليم العالي القائم على عدد مرات قيام الجامعة بنشر الأبحاث، مبنية على تحليل 21100 مجلة نشطة و14000 مجلة غير نشطة، وذلك عبر قاعدة بيانات تديرها شريك لمجلة تايمز للتعليم العالي وهي مجلة إلسيفر، لكن هناك 3 فقط من تلك المجلات تنشر المواد باللغة العربية، وحتى تلك المجلات التي تنشر المواد بالعربية والإنجليزية معًا فقد صار عددها 7 مجلات فقط.

ومجلة تايمز للتعليم العالي ليست الوحيدة التي تقوم بعمل بيئة مصطنعة لإجراء منافسات خاصة بالتصنيف، فهناك التصنيف العالمي للجامعات الذي تصدره مؤسسة Quacquarelli Symonds، والتصنيف الأكاديمي لجامعات العالم وهذا ضمن تصنيفات أخرى تعمل بنفس الطريقة، وكل من تلك التصنيفات يضع كل جامعة في مراكز مختلفة، وهو مؤشر آخر على أن تلك المؤسسات بعيدة عن تنفيذ ادعاءاتها بتقديم تحليلات علمية موضوعية، وكل منظومة للتصنيف من تلك المنظومات هي نتاج لمنهج مصطنع ومتحيز.

وجميع مؤسسات التصنيف لديها شيئًا آخر يعُد شائعًا فيما بينها، وهو دخول التجارة في تلك المسألة، عبر خلق نموذج تجاري ناتج عن الضغط من أجل حصول الجامعات على تلك التصنيفات. وهناك مجلة تايمز للتعليم العالي على سبيل المثال التي تقوم بتوفير خدمات “العلامات التجارية… من أجل تضخيم صورة الجامعة على المستوى الدولي”، وخدمات الاستشارات التي “تقدم أفكار استراتيجية للتنمية في ظل منظومة جامعية عالمية سريعة التحول”.

والعديد من الجامعات التي جاءت ضمن تصنيف جامعات الاقتصاديات الناشئة للعام 2020 ستحاول تحقيق أقصى ما تصبو إليه من “إنجازات”، وعلى أي حال فإن أفضل تلك الجامعات ستدرك أنها باتت ملزمة بلعب هذا الدور السطحي الناتج عن لعبة التصنيفات، والأهم هو ما سيحدث بشكل يومي في قاعات المحاضرات ومعامل تلك الجامعات، وما سيحدث لقلوب وعقول وإنجازات طلبة تلك الجامعات.

 

جوناثان جورنال هو صحفي بريطاني، كان يعمل سابقًا بمجلة “تايم”، وقد أقام وعمل بمنطقة الشرق الأوسط، وهو الآن مقيم في المملكة المتحدة.