هل تجتاز المملكة المتحدة ودول الخليج الخلافات بشأن اليمن؟

حسن الحسن

على مدار الأسابيع الماضية تعاظمت انتقادات المملكة المتحدة للحملة العسكرية التي يقوم بها التحالُف العربي بقيادة السعودية على الأراضي اليمنية، والتي تهدف إلى استعادة ميناء الحديدة من أيدي الحوثيين ، وعلى الرغم من كون المملكة المتحدة تُعد إحدى أكبر القوى الغربية الداعمة للتحالُف العربي ؛ إلا أنها باتت تشعر بالقلق بشأن العواقب الإنسانية المحتملة لتعطيل العمل بالميناء الذي يعُد معبراً لما يزيد على 70% من البضائع التي تدخل اليمن ، وعلاوة على الشواغل الإنسانية، يبدو موقف المملكة المتحدة من القضية اليمنية مدفوعاً بالرغبة في دعم مارتن غريفيث، وهو دبلوماسي بريطاني سابق تم تعيينه مبعوثًا خاصًا للأمم المتحدة في اليمن في فبراير الماضي، وهو من حاول جاهداً أن يمنع الهجوم على الحديدة، غير أنه على الرغم من الخلاف الظاهر إلا أن هذا التبايُن بين موقف المملكة المتحدة والتحالُف العربي لا يبدو عصِيّاً على الحل وفقا لمسؤول خليجي كبير.
وسارع الدبلوماسيون البريطانيون إلى الإعلان عن رفض الحكومة البريطانية للحملة العسكرية التي يقودها التحالُف العربي في الحديدة منذ أوائل يونيو ، فخلال نقاش شهده البرلمان في الحادي عشر من يونيو قال وزير شؤون الشرق الأوسط البريطاني أليستر بيرت : “إن الحكومة تشعر بالقلق إزاء العواقب المُحتملة لأي هجوم على مدينة وميناء الحديدة، و أن لندن أعربت عن قلقها للحكومتين السعودية والاماراتية بهذا الخصوص”، و في الأمم المتحدة وعلى الرغم من معارضة المملكة المتحدة والولايات المتحدة لاقتراحاً سويديًا بإصدار مجلس الأمن قراراً يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار؛ أعربت مندوبة بريطانيا في الأمم المتحدة كارين بيرس ، عن قلقها إزاء التصعيد العسكري وحثّت على تعاون جميع الأطراف مع جهود الأمم المتحدة لضمان التوصُل إلى اتفاق بشأن الحديدة.
من جانب آخر، قام وزير الدولة الإماراتى للشؤون الخارجية أنور قرقاش ، الذي تتزعم دولته العمليات بالحديدة قام بتسليط الضوء على الخطوط العريضة لخطة المساعدات الإماراتية الرامية إلى التخفيف من وطأة الحالة الإنسانية هناك، حيث قام بالتغريد على موقع تويتر قائلاً :”لقد بدأنا عملية إنسانية ضخمة لمساعدة 1.7 مليون شخص، وتماشياً مع التزامنا طويل الأمد بمساعدة الشعب اليمني؛ لدينا 10 سفن في الطريق و100 شاحنة متجهًة شمالًا من عدن ومخا على أهبة الاستعداد لإسقاط المساعدات عن طريق الجو إذا اقتضت الضرورة”، علاوة على ذلك، صرح السفير السعودي في اليمن محمد الجابر خلال مايو الماضي بأن المساعدات الإنسانية التي قدمتها المملكة العربية السعودية وحدها إلى اليمن بلغت 11 مليار دولار.
و أعلن التحالُف العربي بشكل حاسم مراراً وتكراراً أن السماح للحوثيين بالسيطرة على الميناء سيكون بمثابة رخصة للحوثيين لتحصين أنفسهم وإطالة أمد النزاع إلى أجل غير مسمى، وبالتالي مضاعفة الخسائر البشرية.
إلى جانب الشواغل الإنسانية، يبدو الموقف البريطاني مدفوعًا أيضًا برغبة في دعم غريفيث، مبعوث الأمم المتحدة الخاص والدبلوماسي البريطاني السابق، الضالع صراحة، على مدى الأسابيع القليلة الماضية،في التوسُط في صفقة مع الحوثيين حول السيطرة على الميناء لعرقلة خطط التحالف لشن هجوم عسكري. وخلال أول إحاطة له في مجلس الأمن في أبريل، حذّر غريفيث من أن الهجوم على الحديدة “سوف يقوّض الجهود الرامية لإحلال السلام”
لكن من وجهة نظر التحالُف، لدى الحوثيين كل الأسباب لتأخير الحل التفاوضي، نظراً لقيمة الميناء بالنسبة لهم كمصدر للدخل والإمدادات العسكرية، وهو ما يتجلّى في الرفض الحوثي السابق لمقترحات الأمم المتحدة، وكان وزير الخارجية اليمني عبد الملك المخلافي قد أعلن في يناير 2017 عن اعتقاده بأن السبيل الوحيد لدفع الحوثيين إلى طاولة المفاوضات هو تغيير الوضع العسكري على الأرض وهو الهدف الذي أعلن التحالُف أنه مصمم على تحقيقه مع تقليل العواقب الإنسانية.
وفي نهاية المطاف وعلى الرغم من الخلاف الحالي بشأن الحديدة، فإن التبايُن بين موقف المملكة المتحدة وموقف التحالف لا يبدو عصِيّاً على الحل، وخلال تقرير بريطاني نُشِر على موقع “تشاتام هاوس” حول السياسة البريطانية المُعدّلة تجاه الصراعات الخارجية، أشار بيرت، مسؤول وزارة الخارجية، إلى أنه هناك “ثمة نقطة تتسع فيها رقعة الصراع ليصل الى نهايته بشكل أسرع، وهي مسألة تقديرية— “. فعلى الرغم من التبايُن بين بريطانيا والتحالف العربي في مواقفهما خلال الوقت الحالي حول فائدة الصراع في الحديدة، يظل إنهاء الصراع الشامل في اليمن بشكل أسرع هدفا مشتركا بينهما.
وكنت قد سألت سفير البحرين في المملكة المتحدة، الشيخ فواز آل خليفة، الذي تشارك بلاده في التحالف العربي؛ والذي استضافت بلاده أيضاً أول منشأة بحرية بريطانية دائمة تقع إلى الشرق من قناة السويس منذ عام 1971؛ إذا كانت العلاقات بين المملكة المتحدة والخليج سوف تتأثر بسبب الخلاف بشأن الحديدة، وكان رد السفير هو التقليل من احتمالية حدوث انقسام طويل الأمد، “دول الخليج هي ثالث أكبر شريك تجاري للمملكة المتحدة، وبعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ستحتاج المملكة المتحدة إلى أصدقائها في الخليج أكثر من أي وقت مضى”، وأضاف أن الشراكة الأمنية مع المملكة المتحدة في المنطقة كانت “بنفس القدر من الأهمية بالنسبة للجانبين”، مؤكِداً على استمرارية العلاقات بين المملكة المتحدة والخليج.
في النهاية، سيعتمد مستقبل دعم بريطانيا والكثير من دول العالم للتحالف على نجاحه في ضمان استمرار تدفُق السلع الإنسانية والتجارية إلى شعب اليمن، وهي النقطة التي يبدو أن التحالف يتفهمها بينما لا يكترث لها الحوثيون الذين لا يعتبرون أنفسهم مُلزمين بالقانون الدولي، وهي النقطة التي استغلها الحوثيون، حيث قاموا بوضع آلاف الألغام لعرقلة حركة الملاحة البحرية المتجهة إلى الميناء؛ والحقيقة أن حملة الحديدة سوف تضع قدرة التحالف على إدارة عملية عسكرية هجومية ضخمة مع مراعاة البُعد الإنساني على المحك.

AFP PHOTO/Saleh Al-OBEIDI