الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي “صفقة رابحة لجميع الأطراف” ما عدا الفلسطينيين

الين ليبسون

AFP photo: Jack Guez

ثمة ثلاث دول يمكنها الاحتفال بالقرار المفاجئ الذي اتخذته إسرائيل والإمارات العربية المتحدة بإقامة علاقات رسمية وطبيعية. حيث تعتبر إسرائيل أن الاعتراف الرسمي بها من جانب دولة عربية كبرى هو إنجاز هام. ومن جانبها، أثبتت الإمارات قدراتها القيادية من خلال تصدرها المشهد ووضعها لأجندة دول الخليج، والتي قد يسير على نهجها عدد لا بأس به من دول الخليج الأخرى. وتستحق إدارة ترامب الثناء لتشجيعها على إبرام هذا الاتفاق، بل ولعب دور الوسيط فيه، ومن المرجح أن يبرز هذا الاتفاق بشدة في الدعاية للحملة الرئاسية، لاسيما وأن النجاحات التي حققها ترامب على صعيد السياسة الخارجية قليلة. ومن المفارقات أن الفلسطينيين لا يرون أن هذا الاتفاق يخدم قضيتهم.

إن الإعلان عن إقامة علاقات طبيعية بين إسرائيل ودولة الإمارات العربية المتحدة، وإتمام سلسلة من اتفاقيات التعاون الثنائي في مجالات السفر والتجارة والسياحة وغيرها، كان مفاجئًا في توقيته وليس جوهره. فعلى مدى سنوات، أقام البلدان بشكل تدريجي أشكالاً مختلفة من التعاون – بشأن الإرهاب وإيران وغيرها من المسائل الأمنية أخرى بشكل عام. وفي شهر حزيران/ يونيه، وقبل أسابيع من تنفيذ إسرائيل لتعهدها بضم أجزاء من الضفة الغربية، نشر سفير الإمارات العربية المتحدة لدى الولايات المتحدة، يوسف العُتيبة، مقال رأي في صحيفة يديعوت أحرونوت اليومية الإسرائيلية واسعة الانتشار، وقال فيها بعبارات صارخة أن إسرائيل تواجه خيارين: إما الضم أو تطبيع العلاقات، ولا يمكنها الحصول على الاثنين معًا.

ويبدو أن هذا الرأي قد أفاق أذهان القادة الإسرائيليون، والذين أجلوا بالفعل عملية الضم. وفي حين أن عملية الضم هي أحد التعهدات الانتخابية لرئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو” أمام الأحزاب القومية اليمينية الصغرى، إلا أن قطاعات أكبر من الشعب الإسرائيلي والنخبة السياسية لا ترَ هذه الخطوة مرغوبة أو ضرورية. وهناك العديد من الجوانب السلبية لتنفيذ الضم فعليًا، بدءًا من الإدانة الدولية المتوقعة، وعدم تحمس واشنطن للمسألة، وصولًا إلى الخطر الأكبر المتمثل في أن يؤدي الضم الجزئي (لوادي الأردن بدون البلدات والمدن الرئيسية) إلى انهيار السلطة الفلسطينية، والخروج “بدولة واحدة” مع العديد من التداعيات غير المقصودة. ومن ثمَ، فإن الاتفاق مع الإمارات يمنح نتنياهو بعض الراحة وينقذه من فشله السياسي.

ومع ذلك، لا يزال المنطق السياسي المتمثل في بسط السيادة والقانون الإسرائيلي على المناطق الأكثر أهمية على الصعيد الأمني في الضفة الغربية جزءًا من الطموح السياسي لإسرائيل التي يهيمن عليها حزب اليمين، وأصر القادة الإسرائيليون على أنهم أجّلوا خطة الضم فقط ولم يغيروها.

أما بالنسبة للإمارات، فهناك بعض المخاطر في الاتفاق مع إسرائيل: ومن المؤكد أنه إذا حصلت إسرائيل على الاعتراف، وما زالت تمضي في عملية الضم، فسيكون ذلك استخفافًا بدولة الإمارات العربية المتحدة. ولكن في خضم السعادة بالنجاح، فإن هذا الاتفاق يعزز مكانة أبوظبي الصاعدة كقائدة إقليمية ومحددة للاتجاهات. وبدءًا من الحرب الأهلية اليمنية وصولاً إلى المناطق الإقليمية الأخرى المضطربة، انتقلت الإمارات بشكل مقصود من دورها السابق كشريك مقرب وأهلاً للثقة أمام المملكة العربية السعودية إلى كونها جهة فاعلة مستقلة ذات سياسة خارجية طموحة وعدوانية في بعض الأحيان. فقد أصبحت الإمارات مانحة هامة للمساعدات وناشطة دبلوماسية حول العالم، بالإضافة إلى دعمها للدول الإقليمية التي تشاركها وجهات نظرها حول مخاطر جماعة الإخوان المسلمين وفروعها، مثل حماس في قطاع غزة، والتهديد الإيراني.

وصاغت الإمارات قرار تطبيع العلاقات مع إسرائيل كمساهمة لإقامة دولة فلسطينية. حيث أن منع الضم من الناحية النظرية يبقي الخيارات مفتوحة، ويمكن أراضي غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية من تشكيل الدولة الجديدة، على النحو المتوقع في الكثير من القرارات والوثائق الصادرة منذ الحرب العربية الإسرائيلية في عام 1967.

وهناك قلة ترى أن ثمة احتمالات مبكرة للعودة إلى الدبلوماسية الهادفة إلى حل الدولتين. وعلى الرغم من المنطق العام الإماراتي، لا يوجد احتفال في فلسطين. ويتضح التشكيك العميق والإحباط الشديد من هذا القرار في استطلاعات الرأي والتي وصف فيها الفلسطينيون هذا الاتفاق الجديد بالخيانة. وكان الاتفاق مؤشرًا آخر على أن العالم العربي قد مضى قدمًا، متجاوزًا صرخة الانتفاضة الفلسطينية التي كانت ذات يوم موحدة والتي منحت القادة في رام الله دورًا قويًا في المنطقة.

ولم يبذل البيت الأبيض في عهد “ترامب” أي مجهود في هذا الاتفاق. ويخطط البيت الأبيض لتنظيم حفل كبير في واشنطن لتوقيع الاتفاق، على أمل أن يحضر القادة العرب الآخرون هذا الحفل للمصادقة على الاتفاق الجديد، والذي يبدوا أن الهدف منه إثبات صحة خطة السلام التي تتبناها إدارة ترامب. وكانت الخطة التي صاغها “جاريد كوشنر” بعيدة عن الأضواء منذ إطلاقها في أوائل هذا العام. ويعكس الاتفاق الجديد فكرة تفعيل الدور العربي “من الخارج إلى الداخل”، بمعنى أن موافقات الدول العربية الكبرى ستخلق زخماً إيجابياً حتى لو عارضت السلطة الفلسطينية. ولذلك صدقت الإمارات على صحة جزءًا من الخطة على الأقل، وأكدت لإسرائيل أنها تستطيع تحقيق المزيد من الأهداف الأمنية الإقليمية الاستراتيجية، حتى لو لم يكن هناك تقدم مع الفلسطينيين. وبخلاف قضية الضم، يمكن لإسرائيل أن تفعل ما تراه ضروريًا للسيطرة على الأراضي وبناء المستوطنات وتقييد حركة الناس دون خوف من العقاب من واشنطن أو أصدقائها الجدد في الخليج.

وبقي أن نرى ما إذا كان هذا الإنجاز الدبلوماسي سيؤدي إلى مزيد من أعمال التطبيع. ويمكن لواشنطن أن تعتبر هذا الاتفاق نجاحًا، على الرغم من أن الاتفاق قد لا يحل القضية الوجودية التي ستستمر في الإلقاء بظلالها على إسرائيل والفلسطينيين غير المحظوظين.

إلين لايبسون، نائبة سابقة لرئيس مجلس الاستخبارات الوطنية الأمريكية، وتشغل الآن منصب مدير برنامج الأمن الدولي في كلية سكار للعلوم السياسية والحكومية بجامعة جورج ميسون في ولاية فرجينيا، وهي رئيسة سابقة ومديرة تنفيذية لمركز ستيمسون في واشنطن.