ملحمة تويتر هي دعوة لبقية دول العالم لتستيقظ من غفوتها

جوزيف دانا

Image courtesy of Samuel Corum / AFP

منذ أن غيرت احتجاجات الربيع العربي ملامح الشرق الأوسط في عام 2011، أصبح تويتر منصة تواصل اجتماعي حيوية في جميع أنحاء العالم. من رجال الدين إلى الصحفيين إلى الشركات والوزارات الحكومية، أصبح تويتر طريقة سريعة للوصول إلى المعلومات لملايين من البشر من بنغلاديش إلى زامبيا. إن استحواذ إيلون ماسك المثير للجدل على الشركة يضع مستقبل “تويتر العالمي” على المحك.

كان هناك الكثير من التركيز على كيفية تأثير تغييرات ماسك على النقاش السياسي الساخن في أمريكا لدرجة نسيان تأثير المنصة على بقية دول العالم. وتعد تلك غفوة ذات عواقب نظرا لشعبية تويتر خارج أمريكا، ويمكن أن تغرق المنصة التي أصبح الكثيرون يعتمدون عليها في بحر من المحتوى غير المرغوب فيه وغير الخاضع للإشراف، ولا توجد خيارات كثيرة للتعامل مع ذلك التحدي. فهل يمكن أن يكون ذلك أمرا جيدا؟

وقد يبدو ذلك المنظور مؤيدا لمنصات التواصل الاجتماعي كخدمة عامة للجمهور، ولكنه ليس كذلك. فلم يكن هناك مجال لأن يصبح تويتر أو أي منصة وسائط اجتماعية أخرى مفيد لعامة الجمهور، حتى لو كانت حكومة الولايات المتحدة (أو أي حكومة أخرى) لتضطلع بدور إشرافي أكبر على منصات وسائل التواصل الاجتماعي، فهناك ببساطة الكثير من الناس والأعراف الثقافية التي لا يمكن اقناعهم بتبني الوسطية للحفاظ على مصداقية مثل تلك المنصات.

ومع ذلك، فإن المستقبل المنظور لتويتر لا يبدو مبشرا على الصعيد العالمي، فأول شيء فعله ماسك كمالك جديد للمنصة هو طرد الآلاف من الموظفين، وقوبلت تلك الخطوة التي تبدو عدوانية بازدراء من قنوات كبيرة في وسائل الإعلام الأمريكية، ولكن في سياق عمليات تسريح العمال الأكثر شمولا في قطاع التكنولوجيا، فإنها لا تبدو خطوة استثنائية، فقطاع التكنولوجيا كبير جدا والشركات الرائدة تتخلى عن عشرات الآلاف من العمال.

وما يهم بقية العالم هو كيف أدت عملية فصل الموظفين إلى تفريغ مكاتب الاعتدال من العاملين فيها، حيث تشير الأنباء إلى أن مكتب تويتر في غانا، وهو المكتب الوحيد في القارة، لديه موظف واحد فقط. وهذا يعني أن هناك موظفا واحدا في تويتر مسؤولا عن كل أفريقيا، ويحظى تويتر بشعبية كبيرة في القارة السمراء، نظرا لأن الخدمة التي يقدمها تعتمد على النصوص، وعليه لا يتطلب استخدام تويتر الكثير من البيانات بعكس المنصات الأخرى مثل “تيك توك” و “إنستجرام”.

وتعتبر المكاتب المنتشرة في كل دولة مهمة للإشراف على المحتوى المحلي الذي يحافظ على مصداقية منصات التواصل الاجتماعي. وفي حين أن ماسك قد يتبنى مبدأ حرية التعبير لمستقبل تويتر “يمكن قول أي شيء”، فإن الإشراف على المحتوى أمر حيوي لكيفية عمل وسائل التواصل الاجتماعي واستمرارها في النمو. وقد استثمرت شركات وسائل التواصل الاجتماعي القليل جدا للرقابة في العديد من الدول، ونتج عن ذلك مخرجات مأساوية في بعض الأحيان، والآن، تذكر أن تويتر لديه موظف واحد في أفريقيا مسؤول عن كل المحتوى القادم من القارة.

والجانب الآخر الأقل فهما فيما يخص الإشراف على المحتوى هو القدرة على التخلص من التأثير الحكومي المتشدد، ولنأخذ على سبيل المثال الاحتجاجات الأخيرة في الصين ضد سياسات كوفيد-19 التي فرضت على الشعب، فمع اكتساب الاحتجاجات زخما في جميع أنحاء البلاد، تمكن المتسللون الصينيون من إغراق تويتر بمحتوى غير مرغوب فيه مصمم لعرقلة التحديثات الدقيقة من جانب الصحفيين والمتظاهرين، وانطلقت تلك العملية من دون مواجهة أي صعاب. ومع استمرار ماسك في التخلص من فرق الإشراف على المحتوى في تويتر، ستكون مثل تلك الإجراءات التي ترعاها الدولة أسهل في التنفيذ وأكثر تكرارا.

وإذا كان هناك تكرار للمظاهرات على غرار ما حصل في الربيع العربي في مكان ما من العالم، فهل سيتجه الناشطون والصحفيون إلى تويتر كما فعلوا في عام 2011؟ ربما لا، فعلى الرغم من أن ماسك يتبنى موقف متطرف بشأن حرية التعبير، إلا أنه سعى لتقويض عنصر إخفاء الهوية للمستخدمين من خلال حملته لتطهير روبوتات البريد العشوائي في المنصة، كما تلقت شركات ماسك الأخرى، مثل تسلا، إعانات بمليارات الدولارات من حكومات مثل الولايات المتحدة، لكن نظرا لأن تويتر هي شركة خاصة، فلا يوجد ما يمنع ماسك من تسليم بيانات المستخدمين لديه إذا كانت مصادره المالية الأخرى في خطر.

وللتفكير في مستقبل تويتر، علينا إلقاء نظرة تأملية عميقة في المشهد، فهذه القصة ليست في الواقع حول تويتر أو إيلون ماسك، وتذكرنا القصة التي لازالت أحداثها تتكشف عن اعتمادنا على الشركات الخاصة التي لا تراعي مصالح الشعوب. ويمكن أن يكون تويتر اليوم وفيسبوك غدا أو تيك توك الشهر المقبل، لقد تم تصميم تلك المنصات لجمع معلومات المستخدم التي يمكن ترجمتها إلى إيرادات من خلال الإعلانات (أو التطفل الذي ترعاه الدولة كما هو الحال في تيك توك) لقد تم خداعنا وإيهامنا بفكرة أن تلك المنصات الرقمية سترقى بالإنسانية، وهي فكرة خاطئة.

إذا اندلع ربيع عربي آخر في المستقبل القريب، فلن يحل محل تويتر منصة أخرى. وللوهلة الأولى لا يعد ذلك خبرا رائعا للأشخاص الذين ينظمون أنفسهم من أجل مستقبل أفضل، ولكن ربما يكون ذلك علامة على أننا بحاجة إلى التفكير فيما وراء وسائل التواصل الاجتماعي، وربما يجب أن يبدأ التنظيم الاجتماعي بإلقاء نظرة فاحصة على عاداتنا التكنولوجية والاعتماد المفرط على الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي. ربما تكون ملحمة إيلون ماسك المأساوية مع تويتر هي التحذير الذي يحتاجه المجتمع العالمي. فهل نحن على قدر التحدي؟

 

جوزيف دانا هو كبير المحررين السابقين في إكسبوننشال فيو، وهي جريدة إخبارية أسبوعية حول التكنولوجيا وتأثيرها على المجتمع. كما شغل منصب رئيس تحرير موقع إميرج 85، وهو مركز يستكشف التغيير في الأسواق الناشئة وتأثيره العالمي.

تويتر: @ibnezra