تحليل: التكنولوجيا العسكرية التركية والإسرائيلية في حرب ناغورنو كاراباخ

نيل هاور

إحدى الأشياء التي توفرها الحرب للأطراف الثالثة هي الفرصة لتقييم الأسلحة التي تُستخدم في النزاعات الحقيقية، وذلك في مقابل معارض السلاح الافتراضية، وهذا أمر مهم لأسباب تكتيكية وأخرى خاصة باقتناء الأسلحة، وفي هذا الإطار فإن الحرب التي دارت رحاها مؤخرًا على أرض ناغورنو كاراباخ بين أرمينيا وأذربيجان كانت حرب بارزة وذلك لثلاثة أسباب: غياب الأسلحة غربية المنشأ، استمرار فعالية الأجيال القديمة من المعدات الروسية، وفعالية التكلفة الخاصة بالأسلحة التركية والإسرائيلية.

وخلال الفترة من 27 سبتمبر وحتى 10 نوفمبر خاضت كل من أرمينيا وأذربيجان حربًا شاملة حول إقليم ناغورنو كاراباخ المتنازع عليه، وكانت نتيجة تلك الحرب السريعة الضارية على العكس من نتيجة الحرب الأولى التي دارت رحاها بين الطرفين في بداية التسعينات من القرن الماضي، والتي خرجت منها أرمينيا منتصرة، لكن في الحرب الأخيرة نجحت القوات الأذرية في تدمير نظيرتها الأرمينية على أرض المعركة، كما سيطرت القوات الأذرية على مساحات واسعة من الأراضي قبل أن يتم وقف القتال بمبادرة روسية.

وكانت هناك الكثير من الكتابات التي تناولت الأسلحة الحديثة التي كانت سببًا في انتصار الجيش الأذري في تلك الحرب الأخيرة، وعلى وجه الخصوص اشتهرت المُسيّرة التركية بيرقدار تي بي 2 على أنها السلاح الذي كان سببًا في كسب الحرب، وهو التقييم الذي يعُد حقيقيًا إلى حد كبير (على الرغم من أن هذا التقييم ليس صحيحًا بدرجة 100%)، وقد أظهرت صور الضربات الجوية التي نفذتها تلك المُسيّرات والتي أذاعتها وزارة الدفاع الأذرية؛ العشرات من الضربات الجوية التي تمت بشكل يومي والتي استُخدمت فيها ذخائر “مام-إل” عبر مُسيّرات بيرقدار، والتي نجحت بصورة منتظمة في تدمير الدفاعات الجوية والدبابات والمدفعية وحتى تشكيلات القوات الأرمينية.

ولم تكن الطائرات بدون طيار بيرقدار بمثابة السلاح التركي الوحيد الذي استخدمته باكو، وقد اشترت أذربيجان أسلحة بقيمة 123 مليون دولار من أنقرة خلال الأشهُر التسعة الأولى من العام 2020، وهو ما يزيد ستة أضعاف على الأسلحة التي اشترتها العام الماضي، هذا بالإضافة إلى صفقات سلاح أخرى وفرت لباكو مجموعة من السيارات المصفحة تركية الصنع ومجموعة متنوعة من منصات إطلاق الصواريخ وذخائر موجهة، ومُعظم تلك الأسلحة تم استخدامها خلال حرب الخريف الماضي.

وقد لعبت الأسلحة الإسرائيلية المتطورة أيضًا دورًا محوريًا في تلك الحرب، وقد اشترت أذربيجان ما قيمته خمسة مليارات دولار من التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية على مدار السنوات العشر الماضية، وتركزت غالبية تلك الاسلحة على الذخائر الموجهة بدقة وتكنولوجيا الطائرات بدون طيار.

وهناك سلاحين أثبتا فعالية هائلة في تلك الحرب: صاروخ لورا الشبه باليستي الإسرائيلي الذي تم استخدامه لضرب مواقع البنية التحتية الحساسة في الجزء الخلفي من المواقع الأرمينية، والسلاح الآخر هو الذخائر الجوالة من نوع هاروب إسرائيلية الصنع (تُعرف أيضًا باسم المُسيّرات “الانتحارية” أو “كاميكازي”) والتي تم استخدامها لضرب مواقع المدرعات والمشاة الأرمينية، والمثير للإعجاب حقًا هو صواريخ سبايك NLOS(اختصارًا لجملة “خارج مستوى الرؤية”) الإسرائيلية الموجهة، والتي تستطيع ضرب أهداف على مسافة 25 كم.

وقد استمرت الرحلات الجوية العسكرية بشكل منتظم عدة مرات يوميًا بين باكو وتل أبيب طوال فترة الحرب، مما سلّط الضوء على طبيعة علاقات التعاون العسكري القوية بين كل من أذربيجان وإسرائيل.

لكن وبينما نجحت التكنولوجيا الإقليمية في خطف الأضواء؛ فقد أدّى هذا إلى التغطية على الدور الحاسم للمعدات الروسية في تلك الحرب، والمعروف أن العمود الفقري للقوات البرية الأذرية يتألف من الدبابات روسية الصنع ومركبات المشاة القتالية والمدفعية الصاروخية، وبدون تلك الأسلحة لم يكن في استطاعة أذربيجان تحقيق تلك المكاسب في الحرب، ومُعظم ترسانة الأسلحة الأذرية هي عبارة عن مجموعة من صفقات السلاح الروسية بقيمة خمسة مليارات دولار حصلت عليها باكو خلال الفترة من العام 2008 وحتى العام 2013، وقد كان هذا أمرًا ضروريًا قبل تفكير باكو في الحصول على المزايا النوعية للمعدات التركية والإسرائيلية الأكثر تخصُصًا.

وأكثر المجالات التي تثبت صحة هذا القول هي المدرعات الأذرية، وعلى الرغم من كونها العمود الفقري لأكثر من نصف قرن؛ فإن دبابات تي-72 ظلّت دبابة القتال الرئيسية للدول الصغيرة التي لا تملك رفاهية تطوير دبابة محلية خاصة بها أو القدرة على شراء دبابات من الدول الغربية.

وعلى وجه الخصوص؛ فإن الأسطول الذي تملكه أذربيجان من دبابات تي-72 تم تطويره بشكل هائل عبر تركيب معدات استشعار ودروع تفاعلية لمقاومة الذخائر المضادة للدبابات، مما جعل تلك الدبابة تعُد أساس قوة الدبابات في الجيش الأذري، وساهمت مجموعة مماثلة من العوامل منها القدرة على التكيف وتحمُل التكاليف والقدرة على الاقتناء مما جعل مركبات المشاة القتالية الروسية بي إم بي داعمًا رئيسيًا للقوات البرية الأذرية. والتفوق الجوي ربما يحسم حرب ما الا ان القوات البرية هي المسئولة عن تحقيق الانتصارات على الأرض.

وفي ذات الوقت فإن أرمينيا لم تكن بقادرة على القيام بمثل تلك الصفقات لشراء الأسلحة، وذلك ببساطة يعود إلى أن أرمينيا لا تملك ثروة نفطية مثل أذربيجان، والاسوأ من ذلك هو أن يريفان قامت بإنفاق عائداتها الضئيلة في شراء أنظمة تسليح لم يكن لها دور في القتال، حتى أن المقاتلات الأربع من طراز سوخوي 30 والتي اشترتها أرمينيا منذ عدة سنوات مقابل 130 مليون دولار لم تُستخدم في القتال، حتى أن صواريخ اسكندر الباليستية روسية الصنع (وهي صفقة أسلحة أخرى تمت بعد العام 2016) ظهرت لمرة واحدة فقط في أخر أيام الحرب، ولم تثبت أيًا من صفقتي السلاح أنها تستحق المال الذي تم إنفاقه فيها.

والدروس المستفادة هنا بالنسبة لباقي الجيوش الإقليمية واضحة للعيان، وقد أثبتت تلك الحرب أن التفوق النوعي إذا ما تم توظيفه بشكل فعال يمكن له تحويل الكفة بشكل هائل لصالح الطرف المهاجم، حتى لو قام بالهجوم على مواقع دفاعية تم تجهيزها على مدار فترة طويلة، وبينما شهدت العديد من عناصر الجيش الأرميني تحسُنًا في الأداء فقد جاءت نتيجة الحرب في غير صالح أرمينيا، وقد أثبتت كاراباخ أمام مشتري السلاح في المستقبل والقائمين على التكتيك الحربي فعالية الأسلحة الإسرائيلية والتركية.

كما أن الطائرات المُسيّرة لها دور كبير، وقد تمثلت إحدى مكاسب استخدام تلك المُسيّرات خاصة الحجم الصغير منها، والأنواع التي تتمتع بتكلفة قليلة نسبيًا في ندرة التدابير المضادة التي يمكن استخدامها ضد تلك المُسيّرات، حتى أن دولة تملك جيشًا قويًا وصناعات عسكرية متطورة مثل روسيا وقفت عاجزة أمام مشكلة المُسيّرات.

وفي قاعدة حميميم وهي أكبر القواعد الجوية الروسية على الأراضي السورية؛ هناك شبكة معقدة من الدفاعات الجوية المتكاملة تم استخدامها حتى لمواجهة تهديد المُسيّرات البدائية التي تمتلكها جماعات الثورة السورية التي تتمركز بالقرب من تلك القاعدة، وتلك الشبكة تتألف من العديد من الأنظمة الدفاعية ومنها بانتسير و “تور إم-2″ وإس-400، إلى جانب معدات حربية إلكترونية بتكلفة إجمالية تبلغ مئات الملايين من الدولارات، أما طائرة بيرقدار تي بي2 بدون طيار التركية فتبلغ تكلفتها خمسة ملايين دولار فقط (للطائرة الواحدة)، أما الطائرة الإسرائيلية بدون طيار هاروب تبلغ تكلفتها أقل من ذلك (نصف مليون دولار على أقصى تقدير).

و”ثورة المُسّيرات” أثبتت نفسها في كاراباخ عبر الأسلحة التركية والإسرائيلية التي حصلت عليها أذربيجان والتي ربما تكن قد بيعت بأقل من قيمتها الحقيقية، لكن تلك الصفقات ولأسباب عديدة كانت بمثابة حقيقة واقعة، كما أنها تحمل في طياتها دروسًا لا يمكن تجاوزها، وبينما لا يمكن إطلاقًا للمُسيّرات أن تسيطر على الأرض وتحتفظ بها؛ إلا أنها باتت عنصرًا سيظل ضروريًا بالنسبة للقوات البرية الحديثة، وقد باتت كل من أنقرة وتل أبيب الآن تمتلكان إثباتًا هائلًا على قدرة التكنولوجيا التركية والإسرائيلية، وهو الأمر الذي يجب أن يستدعي انتباه باقي اللاعبين على الساحة الإقليمية.

والشأن العسكري يعُد بمثابة سباق متواصل في التطور الخاص بالتكنولوجيا الهجومية والدفاعية، وتلك التكنولوجيا الهجومية كما أثبتت حرب كاراباخ باتت لها اليد العليا.

نيل هاور، محلل أمني يقيم حاليًا بمدينة يريفان، أرمينيا،، وهو في الأصل يقيم في مدينة تبليسي عاصمة جورجيا، ويتركز عمله حول السياسة والأقليات والعنف في منطقة القوقاز إلى جانب قضايا أخرى.