العلاقات التركية-الإيرانية: النِّدية حاضرة لكن دون عدوانية

عمر تاسبينار

كثيراً ما يُردِّد الباحثون في مجال سياسية الواقع (أو الواقعية السياسية) أن الدول ليس لديها أصدقاء، ولا شيء يجمعها مع أطراف أخرى غير المصالح المشتركة. لذلك فإن المحاولات التركية الأخيرة للتقرب من إيران – خاصةً في الملف السوري بحكم أن البلدين يشاركان في محادثات أستانة للسلام بقيادة موسكو – قد تعيد إلى الأذهان تساؤلات حول طبيعة المصلحة المشتركة التي تجمع بين أنقرة وطهران. والجواب المختصر المفيد هو: الأكراد.

لقد أصبح عرفاً من الأعراف السياسية في الشرق الأوسط أنه في كل مرة تلوح فيها بوادر وحدة الصف الكردي المُطالب بالاستقلال، كلما وجدنا أن تركيا وإيران والعراق قد اصطفوا في معسكر واحد ضد الأكراد لإحباط مثل هذه الفرضية “الخطيرة”، متغاضين عن الخلافات القائمة بين بعضهم البعض. وهذه بالضبط هي أرضية التوافق الممكنة بين أنقرة وطهران، رغم الضغوط المفروضة على تركيا لكي تساهم بمزيد من الحزم في الجهود الرامية إلى احتواء إيران. ولعله من باب المفارقة (التي تعكس مدى تعقيد الوضع) أن الأكراد يلعبون دوراً محورياً على الأرض في حفظ السلام بين هذه الدول الكبرى في المنطقة.

إن أنقرة وطهران قد وقفتا جنباً إلى جنب حين راهنت حكومة إقليم كردستان في العراق، بقيادة مسعود برزاني، على ضرورة الدفع تجاه عقد استفتاء لاستقلال الإقليم السنة الماضية. وبالرغم من العلاقات الممتازة التي تجمع بين تركيا وأربيل، فإن أنقرة قد انضمت إلى صف بغداد وطهران في مواجهة الأكراد؛ ذلك أن الجانب التركي يعتبر أن الوضع كان مغايراً حينما عمدت أنقرة إلى إبرام اتفاقيات نفطية وعقود بناء مع أربيل أثناء سريان مفاوضات السلام بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني. فبمجرد اندثار آفاق تحقيق السلام مع القوميين الأكراد، وهو الشيء الذي ردت عليه تركيا بحملة عسكرية وسياسية هوجاء ضدهم، انتفت الحاجة لدى أنقرة إلى استمالة الحراك القومي الكردي الإقليمي لأغراض محلية.

أمَّا بالنسبة لسوريا، التي تحالفت داخلها الحركة القومية الكردية مع حزب العمال الكردستاني، فقد اشتدت فيها المعارضة التركية لأي محاولة لتقرير المصير أو الحكم الذاتي. أضف إلى ذلك أن طهران لا تتعاطف مع أكراد سوريا، حيث إنها تواجه بدورها تنامي القومية الكردية داخل أراضيها والمتمثلة في جماعة تابعة لحزب العمال الكردستاني. باختصار، يمكن القول إن المحرك الرئيسي للتقارب التركي-الإيراني يتمثل في نشأة مشاريع انفصالية كردية في كل من سوريا والعراق.

وكلما حدث انتعاش في العلاقات التركية-الإيرانية إلاَّ واستمعنا إلى السَّاسة الأتراك وهم يهللون بالجذور التاريخية للصداقة التي تربط بين الجانبين، مع الإشارة في كثير من الأحيان إلى أن الحدود التركية مع إيران هي أقدم الحدود وأكثرها أمناً وسلاماً في الشرق الأوسط. والتاريخ يشهد على أن آخر حرب اندلعت بين البلدين تعود إلى القرن 16 وكان طرفاها العثمانيون الأتراك من جهة والصفويون الفرس من جهة أخرى. وتتشارك إيران وتركيا تقاليد سلطانية متجذرة، ما يجعلهما تنظران بشيء من التعالي والازدراء للكيانات التي نشأت في العالم العربي بعد الحقبة الاستعمارية.

بالمقابل، فإن وجود إيران وتركيا على طرفي النقيض في النزاع الطائفي في الشرق الأوسط هو واقع لا مفر منه. ففي سوريا التي تعد أكثر مسارح هذا الصراع الطائفي دموية، تدعم كل من أنقرة وطهران أطرافاً متضادة. وهذا الأمر كان محل ترحيب كبير من قبل دول الخليج التي كانت تعول على الدعم اللوجستي التركي لصالح المعارضة السورية.

وبالتالي فإن التعاون بين إيران وتركيا في محادثات أستانة ليس تقارباً استراتيجياً بقدر ما هو إعادة معايرة تكتيكية. فعلاوة على التهديد الكردي القائم، بدأت أنقرة شيئاً فشيئاً تتقبل أنه لن يتم إبعاد بشار الأسد عن السلطة، وأن أي عملية عسكرية تركية في سوريا ينبغي أن تحصل على الضوء الأخضر الروسي. وعندما ينضاف هذا وذاك إلى غضب أنقرة من واشنطن بسبب دعم الأخيرة لأكراد سوريا، يصبح منطق الوئام الذي يجمع روسيا وإيران وتركيا أكثر جلاءً.

وهنا يجدر بالذكر أن الأزمة بين دول مجلس التعاون الخليجي وقطر قد تسببت عن غير قصد في وضع تركيا وإيران على نفس الجانب من المواجهة الخليجية. وتوجد أطراف نافذة في كل من أنقرة وطهران تعتقد أن هذه الأزمة تتجاوز كونها مجرد خلاف دبلوماسي. وبشكل أكثر تحديداً، يَعتبِر حلفاء الرئيس رجب طيب أردوغان المشجعين للنزعة “الأورو-آسيوية” المناهضة للولايات المتحدة أن تحركات السعودية والإمارات هي محاولة لتغيير النظام الإقليمي لصالح “قوى الوضع الراهن” ضد “الموالين للديمقراطية المتسببين في الاضطرابات”. وتضم مجموعة “الوضع الراهن” كلا من دول مجلس التعاون الخليجي بقيادة السعودية، إلى جانب الأردن ومصر وإسرائيل، مقابل المتسببين في الاضطرابات وهم تركيا وإيران وقطر ومعهم فاعلون غير حكوميون مثل جماعة “الإخوان المسلمين”. كما أن وجود رغبة حقيقية لدى تركيا في تحسين أواصرها الاقتصادية مع إيران يدعم هذه النظرية. هذا ويوجد بالفعل تعاون مهم بين البلدين في مجال الطاقة، بما أن جزءاً كبيراً من واردات تركيا من النفط والغاز مستورد من إيران، بنسب تصل إلى 20 بالمائة من الغاز و30 بالمائة من النفط. وهناك أيضاً نية لدى الطرفين لزيادة حجم التجارة الثنائية من 9.65 مليار دولار في 2016 إلى 30 مليار دولار بحلول سنة 2025.

لكن في نهاية المطاف، من المهم أن نظل واقعيين بشأن حدود التقارب التركي-الإيراني الحالي. إذ لا يوجد هناك العديد من المجالات التي تتلاقى فيها المصالح التركية والإيرانية، فحتى في سوريا حيث يبدو أن هناك تعاون تكتيكي بين الطرفين بخصوص الأكراد، ما زال يثير التواجد العسكري التركي في عفرين وغيرها من المناطق قلق إيران. فيما تدرك كل من طهران ودمشق أن أنقرة لن تتخلى تماماً عن المعارضة السورية لأنها ترغب في المحافظة على رقعة نفوذ في البلاد. أما في العراق، فما تزال تركيا تعارض بشدة السياسات الطائفية التي تنتهجها إيران وترى بأنها تشكل خطراً على المصالح التركية.

ولعل النقطة الأهم هي أنه بالرغم من مشاكلها مع واشنطن، لا تزال تركيا عضواً في حلف “الناتو”، خاصة وأنها تستضيف راداراً ونظام دفاع ضد الصواريخ البالستية تابعين للحلف (في ملاطية بالقرب من الحدود الإيرانية)، اللذان تتمثل مهمتهما في مراقبة إيران عن كثب. إن نشر هذا النظام سنة 2011 كان أحد أكبر الانتصارات التي حققتها إدارة الرئيس أوباما، كما أنه عزز مكانة تركيا في الجهود الغربية الرامية لاحتواء طموحات إيران النووية. والآن مع وجود حكومة أمريكية متشددة ومعادية لإيران – في ظل تولي جون بولتون ومايك بومبيو لمنصبي مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية على التوالي – فإن واشنطن ستزيد الضغط على أنقرة من أجل بذل جهود أكبر لاحتواء مساعي إيران في المنطقة.

وبالرغم من كل ذلك، فإنه محتم على العلاقات التركية-الإيرانية أن تبقى رهينة بمجموعة من القضايا التي ستبقيهما غريمين دون أن تعرضهما إلى خطر الوقوع في العدوان المتبادل، لأن ذلك سيزعزع توازن مصالحهما المشتركة التي تتمحور بالأساس حول الأكراد.

AFP PHOTO/Tofik BABAYEV