لم ينته بعد الخلاف التركي مع الناتو

Burcu Ozcelik

Image courtesy of Gabriel Bouys / AFP

احت القضية الكردية في الأفق في اجتماع الناتو الشهر الماضي في مدريد، وركزت مواضيع النقاش الرئيسية على اعتراض تركيا على انضمام السويد وفنلندا إلى التحالف العسكري بينما تحاشا الجميع التطرق إلى هاجس أنقرة طويل الأمد وهو الانفصاليين الأكراد، وزعمت تركيا منذ فترة طويلة أن السويد وفنلندا تؤويان مسلحين أكراد إلى جانب خصوم بارزين آخرين لحكومة الرئيس رجب طيب أردوغان، ويبدو أن تلك النقاط التي تثير الإحباط، ستبقى قضايا خلافية في العلاقات المستقبلية بين تركيا وحلف شمال الأطلسي.

وعاد أردوغان منتصرا إلى أنقرة من تلك القمة، بعد أن انتزع التنازلات المنشودة من السويد وفنلندا حول كبح أنشطة حزب العمال الكردستاني المحظور، والذي وصفه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمملكة المتحدة بأنه منظمة إرهابية.

وواجه المشرعون السويديون والفنلنديون ردود فعل عنيفة من المعارضين السياسيين بعد انعقاد القمة، وخاصة من اليسار السياسي، حيث حذر حزب الخضر وحزب اليسار السياسي في السويد من أخطار التحالف مع تركيا.

وتطالب تركيا بتسليم أكثر من 70 شخصًا ممن وصفتهم بالإرهابيين من السويد. ووقف أعضاء من حزب اليسار وهم يحملون أعلام حزب العمال الكردستاني لالتقاط الصور في أوائل شهر يوليو، وكذلك وحدات حماية الشعب المنبثقة عنه في سوريا، والتي تلقت أسلحة في القتال ضد داعش من دول غربية مثل الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن نواب اليسار السياسي أظهروا بعض التعاطف مع المجموعة على مدى السنوات، إلا أن الحادث الأخير الذي وقع خلال اجتماع سياسي في جزيرة جولتان، كان مصممًا للفت الانتباه إلى القمة.  وحزب اليسار ليس في الحكومة، إلا أنه يساعد في دعم مجلس الوزراء الاشتراكي الديمقراطي، وقد نددت رئيسة الوزراء السويدية “ماجدالينا أندرسون” بالصور، قائلة إن “التقاط الصور بتلك الأعلام غير مناسب على الإطلاق”.

وستستمر التداعيات المحلية لما يمكن القول بأنه فوز في السياسة الخارجية خلال الأشهر المقبلة في تركيا، حيث يواجه أردوغان تحدياته الخاصة في الداخل قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية العام المقبل، والتي تتزامن مع الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية في عام 1923. ومثل الناخبون الأكراد قوة كبيرة في استطلاعات الرأي السابقة، وقد أثرت أصواتهم في انتخابات التي احتدم فيها التنافس في الماضي. وفي حين أن تركيا قد ضفرت ببعض الانتصارات فيما يتعلق بالأبعاد الدولية لمعركتها ضد الانفصاليين الأكراد في قمة الناتو، لكن لا تزال هناك تحديات عميقة في الديناميكيات المحلية للمسألة الكردية والتي ستكتسب اهتماما جديدًا في الدورة الانتخابية المقبلة.

وكتب صلاح الدين دميرتاس وهو الرئيس السابق لحزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد، من زنزانته في مدينة أدرنة الغربية، رسالة مفعمة بالعاطفة قال فيها إن السياسة والعنف لا يمكن أن يسيرا يدا بيد، وسُجن “دميرتاش” بتهمة دعم الإرهاب في أعقاب تمرد جماعات مسلحة في المناطق الحضرية نظمه حزب العمال الكردستاني والجماعات التابعة له في صيف عام 2016 في أجزاء من جنوب شرق تركيا.

وفي الرسالة التي نُشرت في الأول من شهر يوليو في صحيفة “يني ياسم” اليومية المؤيدة للأكراد، وهي الجريدة المحظورة في تركيا، دعا دميرتاش إلى “التغيير”، وحث أحزاب المعارضة التركية على إيجاد مسارات جديدة للتوحيد والعمل معا ضد حزب أردوغان الحاكم وهو حزب العدالة والتنمية، كما دعا حزبه إلى الانضواء تحت العلم التركي والسعي إلى سلام مشرف في إطار وحدة البلاد. وكانت كلماته دعوة واضحة للمعارضة الكردية للعمل كحزب سياسي مستقل، بعيدًا عن التدخل الخارجي من قبل مقاتلي حزب العمال الكردستاني المتمركزين في جبال قنديل في شمال العراق.

ولكن ليس من الواضح مدى تأثير تلك الرسالة داخل الحركة الكردية بشكل عام، وهي الحركة التي ثارت غضبا من نتائج قمة مدريد، وستحدد قدرة الأكراد على الفصل بين المطالب المشروعة للحقوق السياسية واستمرار التمرد المسلح مصير الأجيال القادمة من الشعب الكردي في تركيا وفي الشرق الأوسط.

وقد يكون هناك سباق مع الزمن، خاصة مع نية تركيا حظر الأحزاب السياسية الكردية، حيث ستراجع المحكمة الدستورية التركية قضية تطالب بحظر حزب الشعوب الديمقراطي بحجة صلته بالإرهاب، وهو ثالث أكبر حزب في البرلمان، وهو الحزب الذي يملك 12 بالمائة من الناخبين الوطنيين، ويجب على ثلثي أعضاء المحكمة الموافقة على ذلك قرار، ولكن لم يتضح بعد متى ستتم المراجعة.  وقدم حزب الشعوب الديمقراطي في شهر أبريل دفاعه إلى المحكمة الدستورية رافضًا التهم الموجهة إليه.

إن فرض حظر على الحزب قبل انتخابات العام المقبل من شأنه إسكات ملايين الأصوات الكردية المؤيدة للسلام، ويصب مباشرة في مصلحة مقاتلي حزب العمال الكردستاني الذين قد يشنوا أعمال عنف مسلحة ضد أهداف تركية. كما أنه سيعرض للخطر الآمال المحتضرة لمحاولة تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكن لا يمكن لحزب الشعوب الديمقراطي أن يواصل نضاله من أجل الحقوق داخل النظام السياسي التركي بينما يرفض قطع علاقاته مع منظمة إرهابية محظورة، ولن يقبل أي عضو آخر في الناتو بمثل ذلك الوضع.

قد تعتقد تركيا أن لها اليد العليا في المعركة مع المسلحين الأكراد بعد ظفرها بالتزامات خطية من السويد وفنلندا، ويمكنها اتخاذ خطوات تصالحية تجاه الأكراد في تركيا. وقد تكون هناك فرصة هنا لاستئناف الحوار الذي تجمد منذ تجدد العنف قبل ستة أعوام، ويمكن أن تتغير الأمور في نهج تركيا الدولي تجاه القضية الكردية إذا فشلت السويد وفنلندا في الوفاء بالتزاماتهما المتفق عليها في مدريد، وعليه، ستبقى تلك القضية تقض مضجع الناتو، وترى أنقرة أن عملية التنازلات قد بدأت لتوها، مما يعني أن الخلاف التركي مع الناتو لم ينتهي بعد.

 

الدكتورة بورجو جيلك هي زميلة باحثة في جمعية هنري جاكسون وهي مؤسسة فكرية دولية،  وهي حاصلة على درجة الدكتوراه من جامعة كامبريدج.

تويتر:BurcuAOzcelik