مراكز التسوق في تركيا ما بين النجاح والفشل؟

الكسندرا دي كرامر

Image courtesy of Unsplash

أصحبت مراكز التسوق أحد أبرز جوانب ميراث حزب العدالة والتنمية منذ وصوله إلى السلطة قبل عقدين من الزمن، ولاقت تلك المراكز محبة وبغض الجمهور، كما كانت رمز الازدهار والتنمية وحجر الزاوية في رؤية حزب العدالة والتنمية لـ “تركيا الجديدة”، كما انتشرت بصورة مذهلة.

وفي عام 2002 لم يكن هناك سوى 14 مركزا تجاريا في تركيا، وبحلول عام 2018  كان هناك 411 مركزا، واعتبارا من الربع الثالث من عام 2022  كان هناك 449،  إن ظهور هذه المؤسسات التجارية متداخل فحيث ينجح أحدها، يتبعه الأخرين.

ويؤكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بصورة متكررة على الأهمية التي تلعبها مراكز التسوق في الاقتصاد التركي، على الرغم من رد الفعل العنيف من أصحاب الأعمال الصغيرة، وبالنسبة لأردوغان، تركيا في طور التحول، وقد ساعدت مراكز التسوق في جعل ذلك التحول ممكنا.

وبالطبع، لا يقتصر اهتمام أردوغان بمراكز التسوق على الوظائف التي تخلقها حيث وفرت (حوالي مليوني وظيفة في عام 2022) أو الإيرادات التي تولدها (20 مليار دولار في العام الماضي) فالسبب يعود إلى أن بناء مراكز التسوق يعني طفرة في البناء ساعدت في تعزيز اليد العليا الاقتصادية لحزبه، حيث تم استثمار أكثر من 53 مليار دولار في هذا القطاع حتى الآن.

لكن لا يعني ذلك أن الأعمال تزدهر.

ويعد بناء مراكز التسوق مشروعا مكلفا، ولهذا السبب يحصل العديد من المستثمرين على قروض لتمويل مشاريعهم. واعتبارا من شهر نوفمبر 2022، استحوذت البنوك على 80 مركز تسوق والتي عجزت عن سداد قروضها، وبشكل جماعي، تبلغ ديون قطاع بناء مراكز التسوق في تركيا 12 مليار دولار، و88 في المئة منها بالعملة الأجنبية.

وفي مقابلة أجريت مع المدير المالي لشركة ( أي سي أي ماركت بليسيس) السيد نوري سابكاجي  مؤخرا، قال إن بعض مراكز التسوق غير قادرة على دفع الفائدة على قروضها، ناهيك عن رأس المال. وقال سابكاجي إنه على مدى السنوات الأربع الماضية، ارتفع الإيجار، وهو مصدر الدخل الرئيسي لأصحاب مراكز التسوق، بنسبة 150 في المئة، في حين ارتفعت تكلفة القروض للمستثمرين بنسبة 350 في المئة، وتظهر الأرقام من سبتمبر 2022 أن الاستثمار في مراكز التسوق قد انخفض بنسبة 56 في المئة وأن تقييم مراكز التسوق على أساس اليورو انخفض بنسبة 47 في المائة.

كيف وصلت ثورة بناء مراكز التسوق في البلاد إلى هذه النقطة؟

جاءت الضربة الأولى للقطاع في عام 2018، وهي بداية أزمة العملة، حيث كان حل الحكومة هو فرض أمر تحصيل جميع الإيجارات بالليرة التركية، وكانت هناك مشكلة واحدة فقط، فبينما دفع مستأجرو مراكز التسوق إيجارهم بالليرة، كان أصحاب مراكز التسوق لا يزالون يسددون قروضهم بالعملة الصعبة، وفي ذلك العام، تقدم مركز أورا التجاري في منطقة بيرم باشا في اسطنبول بطلب للإفلاس بعد أن تراكمت عليه ديون بقيمة 420 مليون دولار.

وحذر رئيس مجلس مراكز التسوق التركية (أي وواي دي) السيد خلوصي بيلغو في شهر مارس من 2019  من أنه إذا استمر سعر صرف العملات الأجنبية في الارتفاع ، فسيواجه مستثمرو مراكز التسوق مشكلة بقيمة 15 مليار دولار، وبحلول شهر ديسمبر من عام 2021، فقدت الليرة التركية أكثر من 50 في المائة من قيمتها مقابل الدولار الأمريكي.

ثم جاءت جائحة كوفيد-19، التي قضت على ثلث الإنفاق الاستهلاكي في تركيا، وخلال الأشهر القليلة الأولى من الوباء، كان 30 مركزا تجاريا في جميع أنحاء تركيا على وشك الإفلاس، وعلى الرغم من منع المواطنين من المشي في الحدائق، سمح لمراكز التسوق بفتح أبوابها بعد ثلاثة أشهر من الوباء، ومع ذلك لا تزال أعداد الزوار والإيجارات تشهد انخفاضا مستمرا.

وتشير البيانات الأخيرة التي قدمتها (أي واي دي) إلى أن الأمور بدأت في التغير، ومع ذلك، هناك عدة أسباب للتشكيك في تلك البيانات.

أولا، حسابات المجلس لا تأخُذ في عين الاعتبار قضية التضخم، حيث قال تقرير (أي واي دي)  الصادر في أكتوبر 2019 إن ربحية مراكز التسوق زادت بنسبة 15 في المائة عن العام السابق، لكنه تجاهل حقيقة أن التضخم السنوي كان 16 في المائة.

وكان تقرير أكتوبر 2022 غامضا بنفس القدر، حيث ادعى إن مراكز التسوق كانت أكثر ربحية بنسبة 131 في المئة مما كانت عليه في أكتوبر 2021، لكن التقرير استخدم معدل التضخم الحكومي البالغ 85 في المائة وهو (الرقم الرسمي من معهد الإحصاء التركي) بدلا من التضخم البالغ 185 في المائة الذي يعتقد معظم الاقتصاديين أنه الرقم الصحيح.

ثانيا، شهد النصف الأول من عام 2022 زيادة بنسبة 113 في المائة في التجارة الإلكترونية، بقيمة هائلة بلغت 401 مليون ليرة، مما أثار تساؤلات حول جدوى المتاجر الفعلية على المدى الطويل.

ومع ذلك، لا يزال قطاع مراكز التسوق واثق من مكانته في المجتمع وفي الاقتصاد، ومن غير المرجح أن يتراجع حزب العدالة والتنمية عن فتح آفاق جديدة، لقد أثبتت مراكز التسوق أنها واحدة من أكثر القطاعات مرونة في تركيا، حيث تعبئ جيوب المطورين وتدعم مسيرة الحكومة، كما يجادل الكثيرون بأنها مراكز اجتماعية مهمة تجمع الناس معا.

على الرغم من أن التقارير التركية حول أداء مراكز التسوق تبدو دائما مبشرة، إلا أن الواقع الاقتصادي ربما يكون أكثر تواضعا، ومع ذلك، من الواضح أن “قطاع المركز التجاري في تركيا” يُغير في المشهد التجاري وفي الجوانب السياسية.

 

ألكسندرا دي كرامر صحفية مقيمة في اسطنبول. كتبت عن الربيع العربي من بيروت كمراسلة لصحيفة ميليت في الشرق الأوسط. تتراوح أعمالها من القضايا الحالية إلى الشؤون الثقافية، وقد ظهرت في مونكول و كريرماقازين و مايسون فرنشايز و أخبار الفين في اسطنبول.