الرئيس التركي لا يخشى التحدي السياسي اليساري، وإنما يخشى الحرب في الجنوب

فيصل اليافعي

إن النجاح الباهر لرجب طيب أردوغان كسياسي راجع ولو جزئياً إلى قدرته على مفاجأة خصومه. فعلى مدى شهور، ومنذ الاستفتاء الذي أجري السنة الماضية والذي قضى بالانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، توقع خصومه أن يباغتهم بإجراء انتخابات مبكرة. بيد أنه عندما اتخذ هذه الخطوة أخيراً قبل أسبوعين، استطاع مع ذلك أن يأخذهم على حين غرة.

وفي توضيحه لقراره، قال أردوغان إنه يتعين اتخاذ خيارات مهمة بشأن الاقتصاد والحرب الدائرة في سوريا، وإن إجراء انتخابات في السنة المقبلة سيقف في طريق ذلك. وقد فسر الكثيرون قوله هذا على أنه قلق من منح الاقتصاد المتدهور للمعارضة العلمانية فرصة لتحقيق مكاسب سياسية. إلا أن رد السياسيين المعتاد على تدهور الاقتصاد هو الترقب وإرجاء الانتخابات حتى يتمكن الاقتصاد من استعادة عافيته – ولا شك أن التاريخ المقرر لإجراء الانتخابات، أي أواخر سنة 2019، كان من شأنه أن يوفر ما يكفي من الوقت.

والحال أن أردوغان يسعى إلى إيقاف التحدي الناشئ ليس على صعيد اليسار السياسي، بل على مستوى اليمين السياسي.

وبالنظر إلى الاتجاهين الذي يعرفهما المجتمع التركي، وهما الحركة العلمانية لمؤسس الدولة أتاتورك والديموقراطيون الدينيون الذين يتزعمهم أردوغان، فمن الطبيعي أن يسعى خصومه إلى مهاجمته من الجناح اليساري، في محاولة للعودة بالسياسة إلى الوسط العلماني.

لكن هذه الاستراتيجية بالكاد أتت أكلها على مدى السنوات 15 التي تولى فيه أردوغان السلطة. حيث إن ما استطاعت قلة من الأحزاب الرئيسية إدراكه هو أن التحدي الحقيقي الذي يواجه أردوغان قادم من الجناح القومي اليميني، وهو في الآن ذاته فتيل كان أردوغان من أشعله وموجة هو من قام بركوبها. وهنا يكمن الخطر الحقيقي الذي دعا أردوغان إلى إجراء هذه الانتخابات من أجل وقف هذا التحدي الناشئ قبل أن يرى النور.

إن تحطيم حزب سياسي صغير يبرز هاذين الجانبين بوضوح، ففي فبراير من هذه السنة، عقد حزب أردوغان تحالفاً مع حزب من الأقلية، وهو “حزب الحركة القومية”، وذلك لخوض الانتخابات المقبلة. إن هذا الحزب بالكاد يملك 12 بالمائة من مقاعد البرلمان التركي، وهو الأمر الذي جعل هذا التحالف يبدو في ظاهر الأمر دون أي أهمية كبرى. فحزب أردوغان، “حزب العدالة والتنمية”، يسيطر على البرلمان بالكامل بـ316 مقعداً من أصل 550، في حين يملك “حزب الحركة القومية” 36 مقعداً فقط.

بيد أن أردوغان يعي أن الخطر الذي يهدده قادم من اليمين. فـ”حزب الحركة القومية” هو حزب قومي متطرف يعارض حصول الأكراد على المزيد من الحقوق ويؤيد توسيع الوجود التركي خارج الحدود. تاريخياً، قدم أردوغان عدداً من العروض البراغماتية بخصوص القضية الكردية، كتوسيع نطاق الحقوق اللغوية للأقلية، كما أنه بالرغم من مشاركته في عمليات عسكرية واسعة في الخارج، يدرك حتماً أن الاقتصاد التركي لن يستطيع تحمل معارك لا نهاية لها في سوريا والعراق. فأي اقتراح يصب في اتجاه منح المزيد من الحقوق للأكراد أو الحد من العمليات الخارجية سيواجه مقاومة من “حزب الحركة القومية”، في حين سيلاقي ترحيباً من قبل المعارضة “الكمالية” (نسبة إلى كمال أتاتورك) الرئيسية. لذا فإن الخطوة التكتيكية التي كان يجب القيام بها هي تحييد معارضة “حزب الحركة القومية”، وهذا هو السبب وراء تشكيل التحالف السالف الذكر.

من جهة أخرى، ستكون الأشهر 18 المقبلة محورية في الحرب السورية. حيث إن هناك العديد من الأخطار الكبرى، إذ يمكن أن تؤدي محاولات تركيا لمنع الجماعات الكردية من إحداث منطقة شبة مستقلة على طول حدودها إلى وقوع هجمات داخل تركيا. كما أنه من الممكن أن تستمر الحرب، ما من شأنه أن يستنزف موارد البلاد والروح المعنوية القومية. هذا ويتعرض ملايين السوريين المتواجدون في تركيا للمضايقات، كما تتعالى أصوات المطالبين بأن يعودوا إلى بلدهم وأن تعطى الأولوية للعمال الأتراك.

أي من هذه الأمور قد يمنح فرصة كبيرة لأحد المنافسين اليمينيين للهجوم. فموجة القومية التي ركبها أردوغان قد تكون أيضاً خطراً يهدده. ومع ذلك، فإن رد خصومه كان غير اعتيادي، حيث ضاعفوا رهانهم على الجناح اليساري.

في الخريف الماضي، بعد أن وافق “حزب الحركة القومية” على التحالف مع “حزب العدالة والتنمية”، انشقت إحدى العضوات البارزات عنه، وهي وزيرة الداخلية السابقة ميرال أكشينار وأعلنت عن تشكيل حزب خاص بها يدعى “حزب إيي” أي “حزب الخير”. وعندما تم الإعلان عن تاريخ انعقاد الانتخابات قبل أسبوعين، كانت لا تملك سوى خمسة نواب برلمانيين، الأمر الذي كان سيجعل الحزب غير مؤهل لخوضها. وكرد على ذلك، وافق “حزب الشعب الجمهوري”، وهو حزب المعارضة الرئيسي والحزب العلماني التابع لأتاتورك، على السماح لـ15 عضواً من أعضائه بالانضمام لـ “حزب إيي”، ما سيجعله مؤهلاً لخوض الانتخابات.

غير أن هذا الأمر يكشف أيضاً عن أحد مكامن ضعف الحزب الجديد. ففي السابق، حاولت أكشينار اللعب على الحبلين، حيث تعهدت بمعاملة الحلفاء الغربيين باحترام أكبر مما يظهره أردوغان، لتكسب بذلك ود الليبراليين، في الوقت الذي تسمح فيه باستخدام خطاب وصور القومية المتطرفة في تجمعاتها الانتخابية. إلا أنه في الوقت الراهن، ونظراً لكون ثلاثة أرباع نوابها من المعارضة العلمانية الرئيسية، فإنها ستميل في ذلك الاتجاه. وإذا كانت أكشينار تعد سياسية ذات شخصية جذابة وكاريزما، علماً أن للكاريزما دور مهم في الانتخابات الرئاسية، فإنه من غير الواضح كيف سينتزع “حزب إيي” الأصوات من أردوغان في وقت لم يستطع فيه “حزب الشعب الجمهوري” القيام بذلك، رغم توفره على أعداد مهمة من النواب البرلمانيين، وموارد مالية ضخمة، فضلاً عن إرث أتاتورك.

هنا يكمن حظ أردوغان، فهو يفهم التهديدات السياسية التي تحدق به أكثر من خصومه. ففي حياته السياسية الطويلة، استطاع الرئيس التركي الحالي أن يفاجئهم في أكثر من مناسبة، بينما لم يتمكنوا بعد من مفاجأته، وهذا أمر مؤسف بالنسبة للديمقراطية التركية.

AFP PHOTO/TURKISH PRESIDENTIAL PRESS SERVICE