القوات التركية في ليبيا بسبب التواجد الروسي في سوريا والنفط في البحر المتوسط

عمر تاسبينار

AFP photo: Turkish Presidential Press Service

يحب زعيم تركيا المستبد، رجب طيب أردوغان، وصف بلاده كقوة عظمى إقليمية مع إرث إمبراطوري يمتد على مر القرون وعبر القارات. غير أن تركيا الحديثة، في واقع الأمر، شيٌء مختلف تمامًا. لقد كانت الهيمنة العسكرية لتركيا محصورة في دول الجوار القريبة منها مباشرة. وتتجلى تلك الهيمنة بوضوح في قتل الجماعات الكردية المسلحة في شمال سوريا والعراق، وفي المطالبات بحقوقها البحرية حول قبرص. وهذا كل ما يمكن قوله عن الإرث الإمبراطوري.

لكن موافقة البرلمان التركي على نشر قوات قتالية في ليبيا تمثل تغييرًا كبيرًا، وتتطلب مراقبة دقيقة. وإذا نشرت تركيا قواتها في ليبيا فعليًا، فقد تؤدي هذه الخطوة إلى تغيير قواعد اللعبة. كما أن الخطوة هذه لا تؤكد فقط على قدرة تركيا العسكرية، بل أيضًا شهيتها القوية لتحمل المخاطر خارج منطقتها.

لقد أرسلت تركيا قواتها إلى قطر والصومال، غير أن إرسال قوات قتالية إلى ليبيا يعد خطوة أكثر جرأة. وعلى عكس ليبيا، فقطر ليست منطقة حرب، ولا دولة فاشلة غارقة في حرب أهلية دموية. وفي الصومال، تقتصر مهمة تركيا على تدريب القوات الصومالية. إن القرار الانفرادي بالتدخل المباشر في الحرب الأهلية الليبية من خلال قواتها القتالية الخاصة يضع تركيا أمام المجهول. وهنا يتساءل أحدهم عن سبب هذا التدخل. في الواقع، يشكل هذا التدخل استراتيجية عالية الخطورة، ولا يمكن فهمها إلا في ضوء بحث أردوغان عن النفوذ في سوريا ضد روسيا، وفي شرق البحر المتوسط ضد قبرص وإسرائيل واليونان ومصر.

وقد يلاحظ البعض أن ثمة هدف خاص وراء المغامرة التركية في ليبيا. وفي العامين الأخيرين، أرسلت تركيا طائرات بدون طيار وعربات مدرعة لتعزيز الدفاع عن حكومة الوفاق الوطني في طرابلس تحت قيادة فايز السراج. وتسطير حكومة الوفاق الوطني، والتي تشكلت في عام 2015 من خلال عملية دولية أقرتها كلٌ من الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، على مساحة صغيرة من البلاد. ويحظى المشير الميداني خليفة حفتر، الفصيل المنافس لحكومة الوفاق، والذي يبسط نفوذه رويدًا رويدًا على طرابلس، بدعم من مصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وفرنسا وروسيا.

وبات إدراك الحسابات العسكرية التركية في ليبيا أصعب من إدراك مصالحها التجارية الواضحة. ولا شك في أن ليبيا الغنية بالنفط تعد سوقا هاما للشركات التركية. فليبيا هي الدولة التي فاز فيها المقاولون الأتراك بعقود البنية التحتية المربحة خلال حكم معمر القذافي. ولا شك أن أردوغان ينتظر بشغف إعادة إعمار ليبيا، إلى جانب الحصول علي حصة من صفقات النفط.

ومن ناحية أخرى، يبدو البعد العسكري لمناورة أردوغان وكأنه خداع استراتيجي. وتقع ليبيا على بعد 2000 كيلومتر من الأراضي التركية، وليس لأنقرة مصالح أمنية قومية حيوية هناك. ومع ذلك، هناك سبب جغرافي سياسي معين في فكر أردوغان. وإذا استخدم أردوغان أوراقه بشكل صحيح، فبإمكان تركيا أن تحول ليبيا إلى رافعة استراتيجية كبيرة في الصراع الأكبر من نوعه على الموارد الهيدروكربونية في شرق البحر المتوسط.

ونشأت ارتباطات تركيا الدبلوماسية والعسكرية في ليبيا بسبب انعزال أنقرة المتزايد عن جميع الجهات الفاعلة الرئيسية في شرق البحر المتوسط. وأدى اكتشاف حقول شاسعة من الغاز الطبيعي إلى زيادة الأهمية الجيواستراتيجية لهذه المنطقة، حيث تتعاون قبرص ومصر وإسرائيل معًا في أنشطة التنقيب الواسعة في المياه الإقليمية لتلك الدول.

والمشكلة الرئيسية لأردوغان هي حقيقة أن الجزء التركي من قبرص، وهي جمهورية شمال قبرص التركية، غير معترف بها من قبل المجتمع الدولي. والجزء اليوناني من الجزيرة، وهو جمهورية قبرص، هو السلطة الوحيدة المعترف بها، والتي يمكنها المطالبة بالسيادة على المياه الإقليمية، وبالتالي المطالبة بإنشاء مناطق اقتصادية خالصة (EEZ) لاستكشاف الغاز وبناء البنية التحتية لخطوط الأنابيب.

ولا غرابة في أن تبذل كلٌ من اليونان وقبرص وإسرائيل قصارى جهدها لتهميش تركيا، وأن يوقعوا للتو اتفاقًا يضع الأساس لخطوط أنابيب الغاز التي ستربط الحقول البحرية بأوروبا.

وفي سياق تهميش تركيا المتزايد في شرق البحر الأبيض المتوسط، تشكل ليبيا أهمية بالغة لمطالب أنقرة بالتنقيب عن الغاز الطبيعي. وهذا هو السبب في أن أنقرة وقعت في نوفمبر/تشرين الثاني اتفاقًا مع حكومة الوفاق الوطني، والذي رسم حدودًا بحرية جديدة بين البلدين، مما أغضب اليونان وقبرص ومصر. وعلى إثر هذا الاتفاق، طردت اليونان السفير الليبي على الفور، مدعية أن اتفاق أنقرة-طرابلس انتهك المياه الإقليمية لجزيرة كريت اليونانية ومناطقها الاقتصادية الخالصة.

ولكن ما يجعل أردوغان يهتم بالشأن الليبي أكثر من كل هذه العوامل المتعلقة بالموارد الهيدروكربونية، هو أن أردوغان يحتاج بشدة إلى نفوذ عسكري ضد روسيا في محافظة إدلب السورية، حيث تواجه تركيا مرة أخرى احتمال تجمع مئات الآلاف من اللاجئين السوريين على حدودها. وبدأت روسيا وسوريا مؤخراً في قصف إدلب، آخر معقل للمقاومة الإسلامية التي تقاتل نظام الأسد. والأمر ببساطة، هو أن أردوغان في حاجة ماسة لتجنب موجة هائلة أخرى من اللاجئين القادمين إلى تركيا، والذين سيلتحقون بما يقرب من أربعة ملايين سوري موجودون بالفعل في البلاد.

وفي الوقت الذي أقامت فيه أنقرة وموسكو علاقات عسكرية وثيقة بشكل متزايد في السنوات الأخيرة، فإن تركيا وروسيا تدعمان الأطراف المتصارعة في النزاع الليبي، كالذي حدث في الحرب الأهلية الطويلة في سوريا. وفي ليبيا، تتمركز روسيا على الأرض من خلال مئات المقاتلين التابعين لمجموعة الأمن الخاصة “فاغنر”. ومن الواضح أن موسكو ترى ليبيا منطقة نفوذ محتملة.

وجاء تصويت البرلمان التركي في “2” يناير بالموافقة على نشر قوات تركيبة في ليبيا قبل الزيارة المرتقبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى تركيا في 9 يناير. ولا غرابة في أن يطلب أردوغان من بوتين أن يتوقف عن قصف إدلب في مقابل إعادة التفكير المشترك في مواقف متبادلة في ليبيا. ومن المؤكد أن تعزيز النفوذ في ليبيا سيدعم بالتأكيد أردوغان في مفاوضاته مع روسيا. ومن هذا المنظور، فإن إرسال قوات قتالية إلى ليبيا يخدم أمن تركيا القومي ومصالحها الاقتصادية عن كثب أكثر من الوطن. ومازال علينا الانتظار لنرى جدوى هذه الاستراتيجية عالية المخاطر من عدمها.

عمر تاسبينار، زميل بارز لدى معهد بروكينغز، وأستاذ إستراتيجية الأمن القومي في جامعة الدفاع الوطني في واشنطن.