تركيا وسياسة خطوط الأنابيب في آسيا الوسطى

نيكولا ميكوفيتش

Image courtesy of Adem Altan / AFP

لطالما كانت آسيا الوسطى وجنوب القوقاز تحت تأثير المد الجيوسياسي الروسي، ولكن مع تعثر حرب الكرملين في أوكرانيا، تتطلع تركيا إلى الاستفادة من الوضع من خلال زيادة نفوذها في المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية.

وليس سرا أن أنقرة تنظر إلى أذربيجان وكازاخستان وقيرغيزستان وتركمانستان وأوزبكستان باعتبارها دولا تنتمي إلى العالم التركي وهي الفكرة التي صاغها الرئيس التركي السابق عبد الله جول ذات مرة على أنها “أمة واحدة وست دول“. ومع ذلك، فإن الروابط الثقافية ليست هي ما يدفع خليفته رجب طيب أردوغان، فالأمر الآن يتعلق بالطاقة.

وتملك العلاقات التركية التركمانستانية أهمية خاصة، وعلى الرغم من عدم كونها عضوا في منظمة الدول التركية وهي تجمع إقليمي يملك بعض الثقل للدول الناطقة بالتركية، لكن تلعب تركمانستان دورا رئيسيا في استراتيجية أنقرة في آسيا الوسطى، وكما قال أردوغان بصراحة الشهر الماضي: “آمل أن يبدأ ضخ الغاز التركماني قريبا إلى تركيا عبر بحر قزوين”.

وعلى الرغم من كونها واحدة من أكثر الأنظمة انعزالا في العالم، إلا أن تركمانستان تحتل المرتبة الرابعة عالميا من حيث احتياطيات الغاز الطبيعي بعد روسيا وإيران وقطر، وعلى الرغم من أن الصين هي المشتري الرئيسي للغاز التركماني في الوقت الحالي، إلا أن أنقرة تهدف إلى البدء في شراء الوقود من الجمهورية السوفيتية السابقة للمساعدة في تحويل تركيا إلى مركز إقليمي للغاز.

ويمكن تحويل ذلك إلى واقع، من خلال الاستثمار في الظروف السياسية والاقتصادية اللازمة لاستيراد كميات كبيرة من الغاز الطبيعي من روسيا وأذربيجان وإيران وتركمانستان، يمكن لتركيا إعادة توجيه الطاقة إلى أوروبا وتصبح وسيطا في مبيعات الغاز.

ورغم أن الكرملين يدعم هذه الفكرة من حيث المبدأ وخاصة أنه لم يعد بإمكان روسيا تزويد أوروبا بالغاز الطبيعي عبر خطوط أنابيب نورد ستريم فإن استراتيجية الطاقة التي تتبناها تركيا تعرضت لسهام النقد من طرف المعارضة الروسية، وكانت أبرز تلك الانتقادات من طرف السيناتور ألكسندر باشكين، الذي كتب مؤخرا أن موسكو لن تسمح ببناء خط أنابيب الغاز العابر لبحر قزوين من تركمانستان إلى أذربيجان، وهو جزء أساسي في أي مشروع مستقبلي  تطمح إليه تركيا، وألقى باشكين باللوم على المخاوف البيئية، لكن السبب الجيوسياسي كان واضحا.

ومع ذلك، حتى لو وافق الكرملين على ما قاله باشكين، فمن غير المرجح أن يكون لديه السبل لثني تركيا عن مسارها، فروسيا الغارقة في الصراع مع أوكرانيا، غير قادرة على إملاء شروطها على الدول الأخرى، وخاصة على تركيا.

ومن الناحية النظرية، يمكن لموسكو مد خطوط أنابيب الغاز الخاصة بها إلى تركمانستان وكازاخستان وأوزبكستان لتصدير الغاز إلى أوروبا، ولكن بالنظر إلى عزلة روسيا على الساحة العالمية، وحقيقة أن الرئيس فلاديمير بوتين قد حول بلاده إلى دولة منبوذة، فمن غير المرجح أن تكون جمهوريات آسيا الوسطى السوفيتية السابقة على استعداد للقيام بأعمال تجارية مع الكرملين.

وبالتالي، فمن شبه المؤكد أن تواصل أنقرة توسيع علاقات الطاقة مع تركمانستان، دون خشية الانتقام من الجانب الروسي.

وتشتري تركيا الطاقة من أماكن أخرى في المنطقة، حيث تعد من بين المشترين الرئيسيين للغاز الطبيعي في أذربيجان، ولكن نظرا لأن موارد أذربيجان محدودة، فلا تزال أنقرة ترى تركمانستان كمحور في استراتيجيتها الجيواقتصادية.

وفي حين أن الطاقة والمصالح الاقتصادية هي ما يقود استراتيجية تركيا في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفيتي، فإن أردوغان سيواصل بلا شك التأكيد على أهمية القومية التركية، كون معظم الدول التركية تشترك في روابط تاريخية وعرقية وثقافية مع تركيا. وتساعد القومية التركية تركيا على تعزيز أهدافها الطموحة في قلب أوراسيا – أي التنافس مع روسيا والصين في البلدان المحيطة ببحر قزوين.

وكانت تركيا أول دولة في العالم تعترف باستقلال جمهوريات آسيا الوسطى السوفيتية السابقة في حقبة التسعينات، ومنذ ذلك الحين، حافظت تركيا على علاقات وثيقة مع المنطقة، وشاركت في مشاريع اقتصادية وتعليمية، وعززت تعاونها العسكري.

كما تحقق تركيا نجاحات في قرغيزستان، حيث فتحت المساجد والمدارس وعززت تعاونها في مجال الطاقة، في حين أن قيرغيزستان لا تزال حليفة روسيا في منظمة معاهدة الأمن الجماعي (سي أس تي أو) وهي عضو في الاتحاد الأوراسي بقيادة روسيا (أي آي أي يو)، ويكافح الكرملين للحفاظ على نفوذه الثقافي في البلاد.

ولدى تركيا خطط لاستثمار حوالي 2 مليار دولار في كازاخستان المجاورة – وهي حليف روسي آخر في منظمة معاهدة الأمن الجماعي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي –   ومعظم تلك الاستثمارات في قطاع الصناعات الخفيفة، إن الوجود الاقتصادي لأنقرة في الدولة الغنية بالنفط في آسيا الوسطى متواضع، حيث بلغ حجم التجارة بين أنقرة وأستانا ما يزيد قليلا عن 5.3 مليار دولار في عام 2021، في حين تجاوز حجم التجارة بين كازاخستان وروسيا 11.6 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2022.

وأظهرت كازاخستان مؤخرا الرغبة في النأي بنفسها عن روسيا، في الوقت الذي تتطلع فيه إلى تنويع سياستها الخارجية. وللاستفادة من ذلك، يجب على أنقرة التحرك لتصبح نقطة عبور للنفط الكازاخستاني والمعادن النادرة المتجهة إلى الاتحاد الأوروبي، وإنشاء ممر للطاقة يربط تركيا وآسيا الوسطى.

وقد يكون التوقيت مناسب لتركيا، حيث أنه من المتوقع أن توافق قازاخستان على مسودة اتفاق بشأن ممر نقل يربط الصين بالاتحاد الأوروبي عبر قازاخستان ثم تركيا، ومن شأن طريق النقل الدولي العابر لبحر قزوين، المعروف باسم الممر الأوسط، أن يتجاوز روسيا ويضع تركيا كدولة عبور مهمة.

سيستغرق بناء خطوط الأنابيب بعض الوقت،  وبينما تنتظر تركيا أن تتحقق استراتيجيتها في مجال الطاقة، نتوقع من قادتها استخدام كل أداة في حوزتهم لتحقيق الأهداف الاقتصادية وأهداف الطاقة التي يطمحون إليها في آسيا الوسطى.

 

نيكولا ميكوفيتش محلل سياسي في صربيا، يركز عمله في الغالب على السياسات الخارجية لروسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا، مع إيلاء اهتمام خاص للطاقة و “سياسة خطوط الأنابيب”.